فيروس كورونا يهدد السلم والأمن الدوليين
يعيش العالم اليوم فى حالة رعب متزايدة من تفشى فيروس كورونا الجديد، حيث ارتفع عدد الوفيات فى جمهورية الصين الشعبية من جراء هذا المرض إلى 258 شخصاً، بينما بلغ العدد الإجمالى لحالات الإصابة المؤكدة ما يقرب من 12 ألف شخص، وذلك بنهاية يوم الجمعة الموافق الحادى والثلاثين من يناير 2020م. ورغم أن المرض قد تركز فى البداية فى الدولة الأكبر فى العالم من حيث عدد السكان، فإنه بدأ يتجاوز حدود التنين الصينى، بحيث تم تسجيل بعض حالات الإصابة فى أكثر من 18 دولة أخرى. وللحد من وصول المرض إليها، بدأت العديد من الدول فى تحذير رعاياها من السفر إلى الصين. كما قامت العديد من شركات الطيران بتعليق رحلات الطيران إلى المدن الصينية. والسبب الأساسى لحالة الرعب التى تجتاح العالم حالياً يكمن فى غموض المرض وعدم وجود أدلة دامغة على مصدره حتى الآن، حيث لم يتوصل العلماء، حتى كتابة هذه السطور، إلى السبب النهائى وراء انتقال الفيروس من الحيوانات إلى البشر وعوامل انتشاره السريع. كذلك، يمكن إرجاع حالة الرعب إلى مكانة الصين فى عالم اليوم، وبحيث يصعب على العديد من الدول الاستغناء عن التعاملات الاقتصادية والتجارية وحركة السياحة الواردة منها.
ونعتقد أن تفشى فيروس كورونا يمكن أن يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، بما يستلزم ممارسة مجلس الأمن الدولى للسلطات المنوطة به وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. قد يستغرب ذلك بعض رجال القانون فى عالمنا العربى، تحت تأثير النظرة التقليدية لمهددات السلم والأمن الدوليين، والتى تحصرها فى الأعمال الحربية والعدوان، بما يفترض وجود نزاع بين دولتين أو أكثر. ويمكن أن نلمس أسباب هذه النظرة التقليدية لمدلول السلم والأمن الدوليين فى مواد الفصلين السادس والسابع من الميثاق.
غير أن هذه النظرة التقليدية لمدلول السلم والأمن الدوليين تطورت كثيراً منذ مطلع التسعينات من القرن الماضى، بحيث وسع مجلس الأمن سلطاته، لتشمل صوراً جديداً لتهديد السلم والأمن الدوليين، يمكن أن نذكر منها تفشى الأوبئة والفيروسات. وقد كانت بداية تدخل مجلس الأمن الدولى بهذا الشأن فى مواجهة فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، حيث اعتبر المجلس أن استفحال وباء الإيدز فى أنحاء العالم يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين (قرار مجلس الأمن رقم 1308 لسنة 2000م)، وأعاد المجلس التأكيد على تهديد وباء الإيدز للسلم والأمن الدوليين، فى قراره رقم 1983 لسنة 2011، وذلك بمناسبة بحث تأثير متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز) على السلام والأمن فى أفريقيا. وبعد ثلاث سنوات، وتحديداً فى الثامن عشر من سبتمبر 2014م، صدر قرار مجلس الأمن رقم 2177 بشأن السلم والأمن فى أفريقيا، حيث عبر المجلس عن قلقه البالغ إزاء تفشى فيروس إيبولا فى منطقة غرب أفريقيا وتأثيره فيها، ولا سيما فى ليبيريا وغينيا وسيراليون، وكذلك فى نيجيريا وما يتاخمها، مؤكداً أن تفشى الفيروس يقوض استقرار البلدان المعنية الأشد تضرراً، وقد يؤدى، فى حال عدم احتوائه، إلى المزيد من القلاقل المدنية والتوترات الاجتماعية وإلى تدهور الأحوال السياسية والأمنية، ومقرراً بالتالى أن تفشى فيروس إيبولا على نطاق غير مسبوق فى أفريقيا يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين. وقبل التصويت على القرار، استمع المجلس إلى نداء مؤثر من ممرض ليبيرى، يدعى «جاكسون نيماه»، الذى يعمل لدى منظمة «أطباء بلا حدود»، حيث قال فى كلمته: «نحن بحاجة إلى مساعدتكم ونحتاج إليها الآن.. أرجوكم، أرسلوا إلينا طوافات ومراكز علاج وأسرة مستشفيات وطواقم مؤهلة»، مضيفاً: «لدىّ انطباع بأن بلدى فى خطر». وفى الثلاثين من أكتوبر 2018م، صدر قرار مجلس الأمن رقم 2439 بشأن السلام والأمن فى أفريقيا، حيث أعرب المجلس مرة أخرى عن بالغ القلق إزاء أحدث حالة لتفشى فيروس إيبولا فى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإزاء حدوث هذا الوباء فى سياق يتسم بوجود حاجات إنسانية أوسع بكثير فى بلد عانى شعبه من تكرار هذا المرض، ومن النزاع المسلح والعنف على مدى العقود القليلة الماضية.
إن الأوبئة تشكل خطراً داهماً على البشرية، وينبغى على بنى البشر أن يتعاونوا فيما بينهم فى مواجهة هذا العدو المشترك، بدلاً من الاختلاف والتناحر فيما بينهم. إن الإنسان هو خليفة الله فى الأرض، وحتى يكون بنو البشر على قدر المسئولية الملقاة على عاتقهم فى عمارة الأرض، ينبغى عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. حفظ الله البشرية من كل سوء.