ننشر النص الكامل لكلمة رئيس الطائفة الإنجيلية في احتفال عيد الميلاد

ننشر النص الكامل لكلمة رئيس الطائفة الإنجيلية في احتفال عيد الميلاد
- رئيس الطائفة الإنجيلية
- الطائفة الإنجيلية
- أندرية زكي
- عيد الميلاد المجيد
- ميلاد السيد المسيح
- رئيس الطائفة الإنجيلية
- الطائفة الإنجيلية
- أندرية زكي
- عيد الميلاد المجيد
- ميلاد السيد المسيح
ألقى القس الدكتور أندرية زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، كلمة في ختام احتفال الطائفة بعيد الميلاد المجيد، الذي عقد في الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة بوسط القاهرة، بحضور عدد من المسؤولين والشخصيات العامة، ومندوب عن الرئيس عبدالفتاح السيسي.
وحملت كلمة زكي، عنوان: "الميلاد وجود جديد".
وجاء نص الكلمة كالتالي: "إننا نحتفل اليوم بعيد الميلاد المجيد، الذي نتذكر فيه ميلاد السيد المسيح له المجد، وأريد أن أكلمكم اليوم عن الميلاد بطريقة مختلفة، إن ميلاد المسيح له أبعاد وتأثيرات عديدة، ولكنه في أحد أبعاده يُعتبر نقطة البداية لنموذج حياة مختلفة مليئة بالرحمة والحق وصنع السلام والتضحية، فالميلاد هو نقطة انطلاق لحياة غير أنانية لا تطلب ما لنفسها، وبكلمات أخرى، هذا يعني أن ميلاد السيد المسيح يشكّل (نوعًا جديدًا من الوجود) (Another mode of existence)، أي طريقة جديدة للعيش لا تقصي الآخر ولا تجنبه أو تهمشه، بل تدعوه للحياة بكل ملئها. إن احتفالنا اليوم بالميلاد في حقيقته إذًا هو احتفال ببداية هذه النوعية من الحياة الجديدة؛ الأب متى المسكين يسميها "بشرية جديدة مسقط رأسها بيت لحم"، ويدعوها الرسول بولس "خليقة جديدة".
بهذا المعنى فإن الميلاد هو هدية إلهية للبشرية، نموذج جديد يهديه الله للبشرية لكي تقتفي أثره.. ما هو السياق الذي وُلِد فيه السيد المسيح؟ لن نستطيع أن نفهم الميلاد فهمًا دقيقًا ونقدر أهميته دون أن نفهم طبيعة المرحلة التي وُلِد فيها المسيح. لقد اتسمت هذه المرحلة بانتشار خطاب الكراهية والتمييز ضد الآخر، كما ساد إسلوب إقصاء المختلف والتهميش الرافض لنوعيات مختلفة من البشر. وكان التنوع مرفوض على مستوى الدين والعرق والنوع (Gender)، وعلى كل المستويات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، ساد الظلم الاجتماعي والقهر فئات مختلفة من المجتمع، وانتشر الفساد عن طريق الرشاوي، وفسد النظام القضائي. نعم، كانت مشكلة روحية لها دلالة مع الإنسان اجتماعية من الدرجة الأولى! يقول النبي إشعياء: "ليس من يدعو بالعدل، وليس من يُحاكِم بالحق. يتكلون على الباطل، ويتكلمون بالكذب." (إش 59: 4). بل والأكثر من ذلك، أصبح الاختلاف العرقي أداة للتمييز مثلاً، كانت العلاقة بين اليهود والأمم (أي كل من هو ليس يهوديًا) علاقة متوترة؛ فقد كان الأمم بالنسبة لليهود مجرد نجاسة، مثلهم مثل نجاسة المرض ونجاسة الموت. نظر اليهود لأنفسهم على أنهم "شعب الله المختار" رغم أن الاختيار لا يعني الأفضلية أو الفوقية بل هدفه خدمة العالم كله. أو كمثال آخر، كان اليهود يحتقرون السامريين بشكل كبير (ق ايو 4: 9) لأنهم تزوجوا من شعوب أخرى غير اليهود فأصبحوا "نجسين" في نظر اليهود ولا يجب التعامل معهم.
وعلى الصعيد السياسي، احتل المستعمر الروماني الأرض دون وجه حق، بل وحاول أن يستغل السلطة الدينية ليتحكم في الشعب كما يخبرنا التاريخ عن تعيين الحاكم السياسي لرئيس الكهنة اليهودي في زمن المسيح. باختصار، كان الفساد والظلم يملأ المجتمع الذي وُلِد فيه المسيح بكل أطيافه..التجهيز النبوي لمجيء المسيح إذا عدنا للخلف قليلاً، نكتشف أن الرغبة الإلهية للحياة الإنسانية هي أن تكون حياة كريمة، حياة لها قدسيتها واحترامها وخصوصيتها، بحسب الحق، أي بحسب الطبيعة الإلهية بصفتها معيار الحق. يقول ميخا النبي: "قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح، وماذا يطلبه منك الرب، إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة" (مي 6: 8). هذه هي خلاصة الشريعة الإلهية التي يطلبها الله من الإنسان: صناعة الحق، ومحبة الرحمة..المجيء والاسترداد وكان الأنبياء في زمن ما قبل المسيح يربطون بين مجيء المسيح وزمن الاسترداد الإلهي لكل شيء، ليرد المسيح كل شيء إلى أصله عن طريق تصحيح الانكسار الموجود في العالم بكل صوره: الظلم، الفقر، المرض، الخداع، الاغتصاب ... إلخ.
يقول النبي إشعياء عن توقعه بمجيء المسيح: "فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أُذنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض" (إش 11: 1 – 4). هذه هي الأمور التي كان يحلم بها الأنبياء أن تتحقق حينما يُولد المسيح: أن يسود العدل بين البشر، ويتم إنصاف المظلومين في المجتمع. وفي وسط كل هذا التشوش ... وُلِد السيد المسيح ...
إن النموذج الذي يقدمه السيد المسيح بحياته لنا يتلخص في الوصية التي شملت الناموس كله. وهذه الوصية لها شِقين. الشِق الأول منها هو "أن تحب الرب إلهك من كل قلبك وعقلك ونفسك"، والشق الثاني منها هو "وتحب قريبك كنفسك". كانت هذه الوصية تشرح مفهوم المحبة الحقيقي عند المسيح، لأن محبة الله تظل ادعاءً حتى تتجسد في محبة القريب. هذا الربط النبوي بين محبة الله ومحبة الآخر كان جديدًا بالنسبة للمجتمع اليهودي، لأنه ببساطة يتعامل مع جذر المشكلة في القلب الإنساني.
كانت فكرة المسيح الجديدة التي يتحدى بها مجتمعه هي أن الذي يحب، ويعرف طبيعة المحبة، سوف يحب الله ويحب الإنسان في نفس الوقت. وأي محاولة للفصل بين محبة الله ومحبة الآخر مستحيلة عند المسيح بسبب طبيعة المحبة ذاتها. وبهذا الشكل، خلق المسيح خطاب آخر يقاوم خطاب الكراهية السائد في عصره؛ إنه خطاب المحبة، وأصبح لدينا لغة جديدة استخدمت مفردات مميزة لتعبر عن مثلث العلاقة بين الله، والإنسان، وأخيه الإنسان الآخر. ولكن ظل السؤال المُلِح الذي كان يسود زمن المسيح: تُرى، من هو هذا الآخر؟ من هو "قريبي"؟
مثل السامري الصالح سوف يساعدنا مثل السامري الصالح في الإجابة على هذا التساؤل. يذكر لوقا وحده منفردًا مثل السامري الصالح، ويسرده المسيح أصلاً للرد على هذا التساؤل الكبير الذي أُثيِر في عصره: من هو قريبي؟ ويحكي أن إنسانًا مسافرًا هاجمه لصوص وتركوه "بين حي وميت" ويمر عليه ثلاث أشخاص: أولاً كاهن، وثانيًا لاوي. لم يكن اللاوي أو الكاهن جهلة بشريعتهم، فهم يعرفون جيدًا أن لمس جثة شخص ميت يعني تنجيسهم، مما يترتب عليه عدم قدرتهم على مواصلة خدماتهم الهيكلية. هذا ما يعلنه لاويين 21 - 22. أي يهودي يعيش في القرن الأول سيفهم جيدًا الموقف الصعب الذي وجد اللاوي والكاهن نفسيهما فيه: هل يجب الاقتراب من شخص قد تكون ميتة؟ هل يجب الاقتراب من شخص لا يعرفون إذا كان ميتًا أم لا فيغامرون بطهارتهم؟ ما الذي يريد الله منهم أن يفعلوه في هذا الموقف؟ هم يعرفون الشريعة جيدًا، ويعرفون ما الذي يجب أن يفعلوه بحسب الشريعة.
أن تفعل ما في الشريعة يعني أنك تفعل مشيئة الله حقًا. نلاحظ في المثل الترتيب التصاعدي، إذ يمر كاهن أولاً، ثم يمر لاوي، لأن الخطورة تتزايد مع اللاوي عن الكاهن إذ كان هذا السبط مخصص ومقدس بالكامل لكل الأعمال الإلهية ومنه ينحدر فصيل الكهنة، مما جعل طهارة اللاوي أمر أكثر تعقيدًا من طهارة الكاهن. لكن المسيح يقلب موازين عصره حينما يعلن أن المار الثالث هو الذي يتدخل لينقذ الجريح: إنه رجل سامري.كما ذكرت قبلاً، فلقد سادت العداوة بين اليهود والسامريين لقرون طويلة، حتى أن العلاقة بينهما أصبحت منقطعة.
هل كان يتوقع قارئ النص أن يرى شخصًا سامريًا هو الذي ينقذ اليهودي الجريح؟ ألم يكن من المُتوقع أن يكون شخص يهودي هو الذي ينقذه؟ لكن يصدم المسيح سامعيه بأن يدعوهم للانفتاح على الآخر، لأن العداوة العرقية كانت جزء من خطاب الكراهية الذي جاء المسيح ليحوله لخطاب محبة.بهذا المعنى، فإن القريب ليس هو المُشترِك في العقيدة، ولا في طقوس أو روتين العبادة أو التدين، بل هو فاعل الحق والرحمة. هو الشخص الذي ينقذ الجريح، ويعطي المسكين، ويقضي بالعدل للمظلوم، وينصف اليتيم.لكن لمثل السامري الصالح بُعد اجتماعي أعمق: يكتب لوقا هذا المثل ليقدم رؤية جديدة للمجتمع الذي يكتب إليه وينتمي هو نفسه إليه. كان لوقا يدعو مجتمعه لتبني منظومة قيم منفتحة نحو قبول الآخر وتبني منهج العيش المشترك في سلام عن طريق استيعاب السامريين وسطهم؟إذًا، نص السامري الصالح هدفه تشكيل نوع جديد من الوجود المجتمعي يستوعب الآخر ويحتويه دون أن يذوب فيه.
لاحظ أن السامري ظل سامري، ولاحظ أن اليهودي ظل يهوديا، لم يذب أحدهما في الآخر، لكن استطاع كل منهما أن يعيشا معًا دون أن يدمر أحدهما الآخر، ولكن إن كان القريب الذي يستحق فعل الرحمة هو كل شخص، فما هي طبيعة عمل الرحمة ذاته؟عمل الرحمةإن عمل الرحمة هو الفعل الصالح المُبادِر نحو هذا القريب، نحو كل إنسان في احتياج. لأن الذي يحتاج لعمل رحمة هو في احتياج صميم للحياة التي يقدسها الله. الجائع الذي لا يجد قوته يهدد الجوع حياته، والذي بلا مأوي يهدد عدم الأمان حياته، أو المظلوم الذي لا يجد إنصاف تتعرض حياته للتهديد بسبب الظلم. إن كل شخص فقير أو مُهمّش تتعرض حياته لنقص في قيمتها وكرامتها أو تتعرض حياته لما يهددها هو شخص يحتاج لعمل الرحمة منّا.يشهد المسيح عن ذلك في عباراته الخالدة:"وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ ... فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، ... ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ يُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ." (مت 25: 31 – 40).هذا المقطع يخبرنا بحقيقة هامة: لأن الله يحب الحياة ويكرمها ويكره الموت والدمار، فأن كل فعل رحمة يتجه نحو المهمشين والضعفاء (أيًا كان نوع الضعف الذي يتعرضون له) هو فعل مُوجه نحو الله نفسه، لأن المسيح ربط ووّحد بين الفقراء والمهمشين والحضور الإلهي. لم يكن عمل الرحمة بهذه الأهمية في المجتمع اليهودي، بل كانت العقيدة والطقوس والحفاظ على نظام العبادة يحتل المكانة العليا، فكان المسيح يزلزل العالم من حوله بأن وضع كرامة الحياة الإنسانية في مرتبة الأولوية المطلقة
ما الذي تعنيه حياة المسيح لنا اليوم؟ حياة المسيح الغنية بالدروس لديها الكثير لتعلمه لنا اليوم، ولكن أكثر من أي أمر آخر، فإن خطاب المحبة الذي تبناه المسيح يعلمنا اليوم أن الرحمة والمحبة هي من أولويات الايمان ، إننا لو تأملنا حركة مسار فكر المسيح سنجدها حركة منفتحة تسعى نحو قبول الآخر وضم المختلفين معًا في تنوع يثري الحياة ولا يهددها. وبالنسبة للمسيح، الانغلاق هو الذي يهدد حياة الآخر، بل هو الذي يدمر الحياة بكل أشكالها، لكن الانفتاح وفهم الآخر دائمًا يقود للسلام والتعايش المشترك، بالإضافة إلى ذلك، فإن حياة المسيح تعلمنا أن هناك دائًما مكان للآخر في ظل خطاب الكراهية السائد الذي ينادي بالدمار والموت. هناك حياة مُقدمة لكل إنسان فقط لأنه إنسان مخلوق على صورة الله.
لقد اعتدنا تبادل الهدايا حول شجرة الميلاد (الكريسماس) في هذه المناسبة، ولكن دعوني أختم معكم حديثي بتأمل ماهية الهدية الحقيقية، فمن ناحية، هدية الميلاد التي يمكن أن نقدمها للمسيح اليوم هي كل فعل رحمة يمكن أن نقدمه للآخر، من استيعاب وتفهم على مستوى التسامح الفكري، ومن تقديم معونة لكل محتاج ولكل فقير على المستوى المادي والمعنوي. ومن ناحية أخرى، فإن حياة المسيح الملهمة لنا بهذا الشكل، والتي بدأت في الميلاد، هي هدية للمجتمع اليوم، نستلهم منها خطاب المحبة الذي يبني، بدلاً من خطاب الكراهية الذي يدمر.