من دور الأيتام لـ"الهندسة والحقوق والتجارة": "إحنا مش عديمي الرباية"

كتب: مها طايع

من دور الأيتام لـ"الهندسة والحقوق والتجارة": "إحنا مش عديمي الرباية"

من دور الأيتام لـ"الهندسة والحقوق والتجارة": "إحنا مش عديمي الرباية"

لا ينعمون بحياة كريمة، لا يستطيعون الظهور فى المناسبات الاجتماعية، حياتهم منغلقة وغامضة، وعلاقتهم بزملائهم فى الجامعات سطحية، أما مشاعرهم العاطفية فهى لا تبرح القلوب، لأنهم غير قادرين على تبادل مشاعر الحب مع غيرهم، خوفاً من اكتشاف حقيقة أمرهم، ورغم هذه الظروف القاسية، هناك من تحدّى الصعاب والتحق بكليات «هندسة، حقوق إنجليزى، وتجارة إنجليزى».

"وليد": ما أقدرش أحب بنت عشان ماتعرفش إنى "لقيط"

«لقطاء».. وصمة عار تلاحقهم طوال سنوات عمرهم، ما جعل وليد محسن، 24 عاماً، طالب فى الفرقة الثالثة بقسم تعدين وبترول فى كلية الهندسة بجامعة السويس، يخوض تحدياً كبيراً مع نفسه، حتى يثبت للجميع أن أبناء دور الرعاية ليسوا عديمى التربية، كما يعتقد البعض، كان يذاكر لأكثر من 16 ساعة يومياً حتى التحق بواحدة من كليات القمة: «فى الدار كان التعليم قايم على إن المسئولين عننا فى الدار بيحاولوا يسكتوا ضميرهم، كنا بنروح مدرسة بس مكانش فيه دروس، ومحدش كان بيقول لى خدت إيه النهارده فى المدرسة ولا بيتابع واجبات المدرسة»، منذ أن أتم عامه الـ13، وهو يضع لنفسه خطة تعليمية واعية، حتى لا يفشل دراسياً: «لما ابتديت أفهم الوضع فى الدار قررت أنى أقف على رجلى بنفسى».

رغم أن «وليد» اختار كلية صعبة وعملية، لكنه استطاع أن ينجح خلال سنوات دراسته الثلاث بتقديرات بين جيد وجيد جداً: «الدار مبتصرفش عليّا من أول 16 سنة لكن بتأجر ليّا أنا و5 من إخواتى شقة وبتدفع الإيجار والأكل والشرب ومصاريف الكلية، لكن مش بتدينى دروس أو كورسات عشان أقدر أعدى فى الجامعة»، يعتمد «وليد» بشكل كبير على أسرة ترعاه وتكفله منذ صغره: «الدار بتدينى فى الشهر 600 جنيه دول أكلى وشربى ولبسى ولو عايز أخرج والناس اللى بتصرف عليا بيدونى كل أسبوع 200 جنيه بتمشينى شوية وبحاول ماصرفش كتير عشان أوفرها للدروس عشان الكلية صعبة». مأساة أخرى يعيشها «وليد»، فهو لا يستطيع أن يقوى علاقاته بزملائه خوفاً من سؤاله عن أهله وأقاربه: «بقول لهم بابا متوفى وعايش مع والدتى لوحدنا، ولو أعجبت ببنت مقدرش أصرح لها ولا أقول لها عشان متكشفش أمرى وتعرف إنى ابن دار رعاية وترفضنى».

"على": لو حد سألنى "بابا شغال إيه؟" باضطر أكذب

على عقيل، 19 عاماً، فى الفرقة الثانية، كلية تجارة إنجليزى بجامعة حلوان، ابن إحدى دور جمعيات الأيتام بالمعادى، ورغم أن دراسته بالثانوية العامة، كانت صعبة للغاية خصوصاً لعدم وجود دروس خصوصية، كما جرت العادة مع بقية زملائه بالمدرسة، وهو ما كان يجبره على المذاكرة لأوقات متأخرة من الليل حتى يستطيع التحصيل جيداً: «كانوا بيدونى دروس فى سنتر تعليمى شوية وكانت ببلاش عشان السنتر بيتعاون مع دور الأيتام بمجرد ما أروح بورقة مختومة من الدار مبدفعش وكنت ساعات بفهم وشوية لا وكل ده عشان الزحمة»، لديه 16 شقيقاً وشقيقة بالدار، أحياناً يساعدون بعضهم البعض فى الشرح: «بس للأسف مش كلنا كان هدفنا واحد، إننا ننجح وندخل كليات، أنا اللى بقيت فى كلية والباقى فى معاهد وفيه اللى راح اتعلم حرفة بعد الثانوية».

يعتبر «على» من الشخصيات الاجتماعية المرحة، على عكس ما يظهره لزملائه بالجامعة، حيث يبدو انطوائياً: «لو حد سألنى باباك شغال إيه بحاول أهرب وأدخل فى موضوع تانى، وببقى مش عايز أكدب لكن لو أصر باضطر أقول له أى حاجة، وبقول كده كده علاقتى محدودة بيهم، ولما أتخرج محدش هيعرف عنى أى حاجة»، كما أنه لا يظهر فى أى مناسبات اجتماعية: «مش بروح فرح ولا بطلع رحلات مع أصحابى ولا علاقتى تبقى قوية عشان محدش يعزمنى فى بيته أو حد يقول لى أنا هاجى لك البيت»، هناك أسرة تقوم بمساعدته وإعالته مادياً أثناء دراسته بالجامعة، حتى يستطيع الحصول على الدروس والكورسات التى يرغب فيها لإتمام دراسته بالجامعة: «بيدونى فى الشهر 1000 جنيه وأنا أتصرف ومش بروح أصرفها فى أى حاجة غلط كلها على المذاكرة والدروس وبس عشان أقدر أنجح وأبقى متفوق حتى فى شغلى ولما أبقى مشهور أوى ومؤثر فى المجتمع هقول لكل الناس ساعتها أنا ابن دار أيتام.. ولاد دور الأيتام عندهم أحلام وقدروا يحققوها».

"حسام": كان نفسى أدخل هندسة لكن فى الدار اللى اتربيت فيها محدش بيدخل ثانوية عامة عشان المصاريف

«فى الدار اللى اتربيت فيها محدش بيدخل ثانوية عشان مصاريفها تقيلة رغم إنى كنت شاطر وكان نفسى أدخل هندسة بس اللى ربونى فى الدار مش رضيوا».. بحسب حسام على، 25 عاماً، طالب بالفرقة الثالثة بقسم النظم والمعلومات بمعهد الألسن بشيراتون، قضى حياة دراسية صعبة، فكل أحلامه وآماله، التى طالما تمناها، لم تتحقق بعد: «دخلونى ثانوى معمارى 5 سنين وقلت أذاكر وهنجح وهدخل كلية الهندسة منها مقدرتش أجيب المجموع وأتفوق عشان مكانش فيه دروس الدار بتديها لى، وكان فيه حاجات مش بفهمها وبنجح بالعافية»، بالكاد يحاول «حسام» التأقلم مع دراسته التى لم يتمنّ يوماً أن ينتمى إليها: «فى الدار إنت بتذاكر لنفسك مش بتذاكر بردو لنفسك محدش كان بيهتم بمذاكرتنا لكن التعليم كان فيه لكن مش زى باقى زمايلى ولكن هنعمل إيه أنا واللى زيى مالوش إنه يتكلم أو يعترض».

تربى «حسام» مع 300 شاب وفتاة، يعتبرهم أشقاءه جميعاً، يحمل لهم كل مشاعر الأخوة ويساعدهم ويسألون عن بعضهم البعض بين الحين والآخر، حتى بعد انفصالهم جميعاً ببيوت تؤجرها لهم الدار بعد بلوغهم الـ18 عاماً: «دول أهلى وناسى اللى اتربيت وسطهم ومعاهم»، لكن تظل معاناة حسام الحقيقية، لا يستطيع أن يندمج وسط زملائه بالجامعة ويبعد عنهم قدر المستطاع: «مش عايز حد يسألنى عن أصلى وفصلى لأن لو سألونى هاضطر أكذب وأقول أهلى ماتوا وأنا أصلاً معرفش مين أهلى ويا ترى عايشين ولا ماتوا ولا هما اللى رمونى فى الشارع»، حمل ثقيل يلازم «حسام» خلال سنوات دراسته، أو حينما يتعرف على أصدقاء جدد يضطر أن يخبئ عنهم حقيقته، أو يلجأ لعدم توطيد علاقته بهم.


مواضيع متعلقة