علاقة الأمراض النفسية بالتدين
كانت طالبة متفوقة فى أرفع الكليات تصلى وتصوم وتقرأ القرآن وتمارس الرياضة، والدها عالم وأستاذ جامعى مرموق من الصالحين، ورغم ذلك كله أصيبت بمرض نفسى أعاقها عن دراستها وحياتها فترة حتى عولجت لدى أكبر أساتذة الطب النفسى وشفيت تماماً.
وهذا إعلامى شهير متدين وعابد من أسرة عريقة اُتهم ظلماً فى قضية سياسية قديماً حتى برِّئ منها بعد فترة فصدمته المحنة، فأصيب باكتئاب حاد أدى إلى ذهان، فقد فيه الذاكرة كوسيلة نفسية للتخلص من الموقف كله.
رأيته فى الحالتين، وتابعته عن كثب بحكم وجودى بجواره، وقارنت بين حالتيه، وأدركت عظمة الطب النفسى، فحينما كان مريضاً كان منظره مخيفاً ويضرب من يقترب منه، فلما تعافى من مرضه أشرق وجهه وكسته الهيبة والوقار وكان يعطينا دروساً رائعة فى الدين والحياة، جميل الطلعة، وقور، عالم، ذكى. وهذا شاب متفوق متدين فى كلية الطب دخل المعتقل كاشتباه سياسى أياماً بسيطة، فأصابه مرض الفصام الخطير، ولولا أنه عولج خارج السجن لضاع مستقبله.
رأيت وشاهدت وتابعت وشاركت فى علاج مئات الحالات لأناس متدينين ساقتهم ظروفهم إلى المعتقل فترات، فأصيب بعضهم بالصرع أو البكم، أو الشلل الهستيرى، بل والأزمات الربوية الهستيرية.
ورأيت شباباً متديناً ومن أسر عريقة أصابهم الفصام دون سبب واضح، فأصبح يؤذن تارة ويخطب مثل الشيخ كشك تارةً، ثم يسب الدين بعدها مباشرة.
فالمرض النفسى عامة، والاكتئاب خاصة، لا علاقة له بالتدين، وهو يختلف عن حالات الحزن أو اعتلال المزاج العابرة.
فالاكتئاب ومعظم الأمراض النفسية تحدث من خلال خلل كيميائى عضوى بالمخ أو اضطراب فى توازن الهرمونات، أو خلل فى بعض مراكز المخ، كما يقرر كل علماء الطب النفسى، وهو بذلك يقارب الأمراض العضوية.
وكما يقول د. محمد المهدى: «إذا كان مرض السكر فيه نقص فى هرمون الأنسولين، فإن الاكتئاب فيه نقص فى هرمون السيرتونين أو الأدرينالين أو الدوبامين أو الثلاثة مجتمعة».
وكما أنه لا يقال: «إن مرض السكر لا يصيب المؤمن، فكذلك من غير المنطقى أن يقال إن الاكتئاب لا يصيب أهل الإيمان وغيرهم، فهو يصيب المتدين مثل غيره، ومن يتهم المريض النفسى أو مريض الاكتئاب أو الفصام بضعف الإيمان فلا يعرف عن العلم شيئاً، بل إن هذا الاتهام للمريض يزيده مرضاً وقد يدفع حالته للتدهور».
الإيمان يعطى للمريض طاقة روحية كبيرة، ولكن هذه الطاقة لا تعمل إلا بعد إصلاح الخلل الذى اعترى هرمونات ومراكز المخ.
أما فى حالة الخلل الجسيم بها، فإن المريض لا يتجاوب مع نصح أو تذكرة أو وعظ دينى أو سماع قرآن أو تذكر أحاديث أو وعظ كنسى.
الإيمان والوعظ والتذكرة تفيد قبل المرض أو فى مرحلة لاحقة للعلاج الدوائى، حينما يتجاوب المخ مع هذه المحفزات، الإيمان يمنع المريض من الانتحار عادة لخلفيته الدينية السابقة.
أما الحزن الشديد الطارئ بسبب أو لآخر، والذى يؤدى إلى أعراض نفسجسمية، فهذا يمكن أن يعترى الفضلاء والحكماء والعلماء بل والأنبياء، ومن أشهرهم نبى الله يعقوب الذى حكى عنه القرآن «وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» أى حزين، فالعمى العضوى نتج من الحزن الطارئ لفقده ولدَيه معاً يوسف وبنيامين، وبهذا يكون القرآن العظيم قد سبق العلم الحديث بـ13 قرناً كاملاً فى التحدث عن الأمراض النفسجسمية.
ورغم أننى لست متخصصاً فى الطب النفسى، فإننى من عشاقه، وقد ساقتنى الأقدار سوقاً إلى تعلمه والتضلع فيه والمشاركة فى علاج مئات الحالات، لم تجد فى وقت من الأوقات طبيباً لها سواى، وكنت من قبل قد أتقنته وتضلعت فيه قدراً على يد صديقى أ.د. على عبدالعزيز.
المرض النفسى مثل العضوى ليس سُبة ولا عاراً رغم آلامه وأحزانه، وهو يحتاج للصبر والتآخى والتآزر مع العلاج الحديث الذى ألغى كلمة «الجنون» من قاموس الطب والفقه والقانون شريطة المواظبة على العلاج وعدم تركه.