"في المنور والبلكونة وعلى الرصيف".. "القهوة" أسلوب حياة

كتب: مها طايع

"في المنور والبلكونة وعلى الرصيف".. "القهوة" أسلوب حياة

"في المنور والبلكونة وعلى الرصيف".. "القهوة" أسلوب حياة

على الرصيف.. الزبائن يرفعون شعار "مفيش أحسن من قعدة الشارع"

بسبب صغر مساحة معظم المقاهى، وعدم رغبة مرتاديها فى الجلوس داخل أربعة جدران، يلجأ أصحاب المقاهى إلى استغلال الرصيف وتحويله إلى جزء أساسى من المقهى، يفترشون الشارع بالكراسى والترابيزات وبمشروبات الزبائن من شاى وقهوة وشيشة، ولا عزاء للمارة ولحرمة الشارع التى تنتهك باسم «المزاج». يعتبر محمد حسن، أحد عمال مقهى شعبى، فى الدقى، أنه كلما تم استغلال مساحات كبيرة من الرصيف، اكتسب المقهى شهرة واسعة بين الزبائن، بل زاد إقبالهم عليه: «الناس بتحب قعدة الشارع سواء فى الصيف والشتاء». «البيت الثانى»، هكذا يتعامل الشباب مع المقاهى المجاورة لمنازلهم: «مفيش راجل تسأله تحب تروح فين مع صحابك إلا ما يقول القهوة، لأنهم بيرتاحوا فيها جداً، قبل ما يكون مكان بيجمعهم ويقعدوا فيه وخلاص»، داخل كل شارع يوجد ما لا يقل عن مقهيين أو ثلاثة لكن تظل واحدة منها فقط، هى التى تستقبل أغلب شباب ورجال الحى: «هنا القهوة مظبوط والشاى بيبقى كشرى على حق والحجر يوم لما أغليه يبقى بـ4 جنيه، ولما حد بيطلب حاجة عمرها ما تتأخر عن دقيقتين وبتكون جاهزة وبتتعمل صح لأننا عارفين مزاج زبونّا، كل دى مزايا تخلى الزبون يجيلى». وضع عدد كبير من الكراسى خارج المقهى، يكون أثناء المباريات سواء الدورى أو الدولية التى يلعب فيها محمد صلاح: «فى الأيام العادية بنحط كراسى محدودة مش كتير، عشان شرطة المرافق ماتعملش مشكلة وتقول إن ده إشغال طريق، لكن فى مباريات محمد صلاح مثلاً تقريبا بنفرش الشارع كله لأن الإقبال بيكون كبير».

فوق السطح.. "أيمن" شال الكراكيب وحط غلاية وسبرتاية وشيشة

فى منطقة المرج، وبينما عانى محمد أيمن، موظف، من ارتفاع تكلفة ما ينفقه على المقهى القريب من بيته، لكثرة عدد الساعات التى يقضيها خارج البيت، فكر فى استغلال سطح منزله، وتحويله إلى استراحة بسيطة تجمع بين الطراز العربى والمقهى البلدى، لتكون مكاناً جميلاً يلتقى فيه بأصدقائه وفى الوقت نفسه توفير ما ينفق على المشروبات والشيشة. قام «أيمن» بتنظيف سطح المنزل، وإزالة كل الكراكيب العالقة به، وبعد عملية التنظيف والتجميل وتلوين جدران السطح والسور، وضع كنبتين وكرسى خشب وتليفزيوناً وطبلية خشبية مستديرة، حتى يُكسب المكان شكلاً جمالياً، وبدأ فى استقبال أصدقائه ليلاً بدلاً من الجلوس فى المقهى: «رغم إنى شاب لكن مابحبش قعدة الكافتيريات، مقفولة علشان التكييف وبحس بخنقة، وفى نفس الوقت بصرف كتير، خصوصاً بعد ارتفاع الأسعار، عشان كده عملت سطح البيت على طراز قهوة بلدى مفتوحة على السما، عشان الهواء يبقى متجدد ونقى».

لم يعد «أيمن» فى حاجة إلى مقابلة أصدقائه فى المقهى، فالساعات التى يقضيها فوق السطح كفيلة بضبط مزاجه، ولم ينفق كثيراً، كل الأدوات التى وضعها من مخلفات منزله، وأعاد تدويرها بعد إصلاحها وتلوينها: «تجهيز السطح، خد منى 7 أيام، الكنب والكراسى وكل حاجات موجودة فى كافيه السطح قديمة، كانت مرمية وأنا نضفتها وصلحتها وعملت منها قعدة حلوة»، وإلى جانب الديكورات، وضع «أيمن» عِدة المقهى وهى عبارة عن غلاية وسبرتاية وعدد من الأكواب والفناجين وشيشة، مؤكداً أن أفضل الأوقات للجلوس على السطح، أثناء الغروب فى أوقات الشتاء، حيث لفحة الهواء البارد: «ساعتها بنولع نار للتدفئة، وفى الصيف بنبات لحد الصبح».

فى المنوَر.. مش مهم قاعد فين المهم تكون مبسوط

داخل منور، فى إحدى العمارات العتيقة فى وسط البلد، يوجد مقهى صغير بمساحة محدودة تكفى لعدد بسيط من الأفراد، ومع ذلك حظى بشهرة كبيرة خصوصاً بين الشباب، حيث قام صاحبه بتحويله إلى مقهى مميز يجمع بين الملامح الكلاسيكية التراثية التى تناسب محيط وسط البلد، وبين الديكورات الشبابية المبتكرة، حتى يجذب فئات مختلفة من المواطنين، كذلك يقدم القهوة بمذاقاتها المختلفة بما يناسب كل الأذواق: «إحنا بيجى لنا الزبون الأجنبى والمصرى، وده حسب طبيعة المكان فى وسط البلد، حابين فكرة أننا تسلمنا المكان وقدرنا نحوله لحاجة تانية خالص بمجرد اللعب بالديكورات والأنوار والألوان».. حسب محمود الشامى، مدير المقهى. لإضفاء الاختلاف والتجديد أيضاً، يقدم المقهى أنواعاً مختلفة من الموسيقى الشبابية صاخبة وهادئة، دون أن يسبب أى إزعاج للسكان، حيث يتم الاتفاق مع سكان العمارة على الأغانى التى يقدمونها للمترددين، بحيث لا تزعجهم الأصوات المرتفعة، خصوصاً أن مساحة المقهى صغيرة جداً، ويلجأ «محمود»، أيضاً إلى استغلال المساحة الشاغرة أمام المقهى، ووضع كراسى وترابيزات خشبية لاستقبال عدد كبير من الشباب: «حبينا نختلف عن باقى القهاوى فى وسط البلد، وأى مكان مهما كان صغير ومش متشاف ممكن يبقى أفضل وأحسن مكان لو اتعمل له ديكورات بتناسب ذوق الشباب اليومين دول».

فى البلكونة.. كراسى وترابيزة ونجيلة.. تفرق إيه عن الكافتيريا؟

عادة ما تواجه البلكونة مصير «السطح» فى بعض المنازل، فهى وفقاً للثقافة المصرية، مكان لإلقاء الأدوات والأشياء القديمة والمهملة الفائضة عن حاجة المنزل، لكن وردة السيد، ربة منزل، غيرت الصورة الذهنية للبلكونة، حيث حولتها من مكان لاحتواء الكراكيب إلى كافتيريا لاستراحة أفراد الأسرة فيها بدلاً من الخروج فى نزهات تكلف كثيراً. قامت «وردة» بإضفاء بعض الملامح الجمالية على البلكونة، بوضع أصص الزهور المختلفة ذات الروائح العطرة، كما وضعت كرسيين تتوسطهما ترابيزة صغيرة، وحرصت على تزويدها بلمبات خافتة الإضاءة، حتى تصنع جواً شاعرياً، تجلس فيه وحدها بعد الانتهاء من شغل البيت، وأحياناً بصحبة زوجها، حتى لا يكون مضطراً إلى الخروج والجلوس فى المقهى مع أصدقائه: «البلكونة لما تتنضف كل يوم ونهتم بيها بنحبها أكتر من الشقة نفسها، وبتبقى بالنسبة لنا المكان السحرى اللى بنرتاح فيه». نموذج آخر للبلكونة، قدمه محمود حافظ، من محافظة الإسكندرية، فقد استغل مساحتها الواسعة، ووضع فيها أرجوحة لطفليه، قام بصناعتها من إطارات السيارات، كما وضع كنبة صغيرة، وترابيزة خشبية صغيرة الحجم، وسجادة خضراء تشبه النجيلة، وقام أيضاً بإنارتها بلمبات صغيرة: «بعد الشغل بالليل بنتجمع فيها نقضى سهرتنا، ده غير إننا بنستعملها للأكل والشرب دايماً ولا كأنها مطعم».

فكرة «حافظ» أغنته عن الخروج من البيت والجلوس فى المقاهى والكافتيريات: «تفرق إيه الكافتيريا عن البلكونة، بالعكس أنا كده وفرت كتير».

فى العربية.. وانت ماشى فى الطريق.. تعاشب شاى

«يقولون إن الشباب هم الأكثر احترافية فى تقديم فنجان قهوة مظبوط»، وعلى أثر هذه المقولة، انتشرت مشروعات سيارات المقهى المتنقل، التى تقدم «منيو» الكافيهات الشهيرة، بنفس الجودة، ولكن بأسعار بسيطة، وقد تختلف ماركات وموديلات هذه السيارات، لكنها تحظى بشهرة وصيت واسع بين محبى القهوة، كما أن وجودها على الطرق السريعة والصحراوية، سهّل على محبيها الحصول عليها فى أى وقت، ووراء هذه المشاريع البسيطة المميزة، شركات تعلن عن تجهيز هذه السيارات وتحويلها إلى مقهى متنقل. «بنفتح السقف كله، وأجناب السيارة بتتقطع وبتتعمل أرفف داخلية، ده غير الدهان والرسم على العربية والأنوار اللى بتتعمل عشان تدّى شكل وروح للعربية».. حسب حسام مصطفى، مسئول فى شركة خاصة بتجهيز سيارات الطعام والقهوة، ويستغرق تحويل السيارة أسبوعين فقط، حسب قوله: «فولكس من أكتر السيارات اللى الشباب بيستخدمها عشان كبيرة ومن جوة واسعة، يقدر اللى شغال على المشروع يستغلها فى أدوات الأكل والشرب اللى هيقدمها كلها»، مؤكداً أن سعر السيارة يتراوح بين 40 و50 ألف جنيه، وهو ما يجعل سعرها مناسباً للشباب، ويحتاج ما يقرب من 20 ألف جنيه أيضاً لتجهيزها بشكل كامل قبل الخروج بها على الطريق.

«بعرض عليهم التصاميم اللى عندى وكل واحد يختار اللى يناسبه بالشكل اللى هو عارف أن ده هيجذب الزبون»، حسب «حسام».


مواضيع متعلقة