فى العراق.. القتل ليس مجانياً والمراجع على عهدها القديم

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

الذى دار داخل أروقة البرلمان العراقى خلال 72 ساعة مضت، هو أن السيد عبدالمهدى على وشك تقديم استقالة حكومته، ليلحق بنظيره فى المشهد اللبنانى. على اعتبار أن مجرد طرح نية رئيس مجلس الوزراء خروجه من المشهد يعد خطوة تسكينية فى حد ذاتها للهيب المستعر فى الشارع وفى نفوس المتظاهرين. وإيماءة التلازم بين المشهدين العراقى واللبنانى حملت العديد من التعليقات الساخرة على التصريحات الأخيرة للمرشد الأعلى الإيرانى «على خامنئى»، التى وضعت المشهدين فى سلة انتقاد واحدة، أطلقها قبيل ساعات فى صلف وغرور لا يتناسب وحجم أى من المشهدين. فكلاهما عامر ومزدحم بالأحداث والتفاصيل التى صارت عصية على اختزالها، فى اتهامات المحتجين بالعمالة، وبإدارتهم من قبل سفارات الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية!

من السهل بالطبع وصف حديث المرشد الإيرانى بأنه غارق فى أعماق «التكلس» أو أنه مصاب بالعمى الكامل عما يجرى فى مدن العراق، أو ما بدأت صياغته كمتغيرات هائلة فى الساحات اللبنانية. وإن ظل التوصيف به جانب مما تعانيه السلطة الإيرانية والمرشد، باعتباره مركزها التى تدور من حول شخصه وبنات أفكاره وتنظيراته، لكن هناك الكثير والكثير من المتغيرات التى اقتحمت «الحوزة» والأحلاف السياسية المقدسة، التى يجرى العمل عليها منذ بداية العقد الماضى. لذلك ربما فعل المداهمة تلك، هى ما دفعت المرشد لاستدعاء اتهامات معلبة وشائخة كى يلقيها فى وجه المشهد، الذى استعصى على ما يبدو استيعابه حتى الآن. ففى لبنان تجرى عملية مراجعة رشيدة وذكية لمكونات وأسس الخريطة الطائفية التى صممت عليها الحياة السياسية، يقوم بذلك الغالبية من الشعب اللبنانى الذى يرى مشكلته المزمنة قابعة فى تلك الدائرة. أما العراق فشعبه الذى خاض عشرات التقلبات منذ العام 2003 وسار فى مختلف الدروب، ليجدها جميعها مقفرة ونهاياتها جميعها مفتوحة على المجهول، استيقظ أخيراً ذات يوم ليصف دولته بأنها ترزح تحت نير احتلال وارتهان فادح، ما يسوق مصيرها إلى كوابيس الفقر والعوز وبحيرات الفساد الآسنة.

يشارك المرشد الإيرانى الكثيرون ممن وقعوا معه تحت وطأة المباغتة مما يجرى، لكن فى العراق يظل المشهد أعمق من التعبير عن الغضب والاحتجاج الشعبى، فهناك قدر ثمين من الدماء يسدد كل يوم من العراقيين، وهناك محافظات بكاملها تغلق وتعلن حظر التجوال والطوارئ، محافظة «ديالى» تعلن الخميس ذلك وتستنفر قوات مرتبكة لا تفهم على وجه الدقة طبيعة ما يمكن أن تجابهه، أو ما هى مقدمة على فعله فى حال انفلات المشهد كما يجرى يومياً عما يمكن استيعابه. فقيادة تلك القوات المنتشرة فى طول البلاد وعرضها، صدمت ذات يوم قريب مضى عندما وجدت أن القائد الإيرانى «قاسم سليمانى»، بعد أن ترتب اجتماع أمنى على عجل فى بداية أعمال الاحتجاجات الشعبية، أن من يرأس الاجتماع معهم هو «سليمانى» نفسه بديلاً عن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدى. ويتعهد أمامهم بإنفاذ خطط مفصلة للقضاء على تلك التظاهرات، والتى فيما يبدو ساهمت برفع أعداد الضحايا العراقيين إلى 150 قتيلاً خلال أسبوع واحد، فى تظاهرات تمتد وتنتشر ولا يخبو لهيبها رغم نيران قناصة الميليشيات، الحاضرين دوماً على تخوم وفوق أسطح الساحات والمعابر، ليصير فعل القتل عشوائياً بصورة فادحة.

قادة الكتل السياسية العراقية اجتمعوا مساء الأربعاء فى قصر السلام، مع الرئيس العراقى «برهم صالح» لبحث مخرج للأزمة التى تعيشها البلاد، فى ظل ارتفاع مطالب الاحتجاج إلى المطالبة بإقالة الحكومة والبرلمان وتعديل الدستور، إلى جانب مطالب الإصلاح الشامل، على المستوى السياسى والاقتصادى ومحاربة الفساد المستشرى فى مفاصل الدولة. هناك أسماء بديلة تم طرحها فى الاجتماع، فى حال أجبر عبدالمهدى على تقديم استقالته، منها محافظ البصرة «أسعد العيدانى»، والنائب «عدنان الزرفى»، ووزير العمل والشئون الاجتماعية السابق «محمد شياع السودانى». لكن الجميع يخشون من أن تغييرات شكلية من هذا النوع، ربما تكون الأحداث والدماء بالشارع قد تجاوزتها، بالنظر هنا إلى بيروت وما جرى فيها من استقبال استقالة رئيس الوزراء الحريرى. السجال الحاد الذى سجل ولا يزال بين رئيس الوزراء عادل عبدالمهدى والمرجع الشيعى «مقتدى الصدر»، بخصوص استقالة الحكومة وتغيير الخارطة السياسية، يستند فيه الأول على الضغط الهائل من المتظاهرين المطالبين بإسقاط الحكومة وتعديل الدستور. رغم علمه الأكيد أنه حتى فى حال استقال عبدالمهدى فمن الصعوبة تشكيل حكومة فى وقت قصير، خاصة بعد أن تحدث «الصدر» عن انسحاب كتلة «سائرون» وانضمامهم إلى المعارضة السياسية.

المرجع الشيعى وزعيم أكبر كتلة برلمانية «مقتدى الصدر»، يدعو علناً إلى رحيل الحكومة، ودعم «تحالف الفتح» برئاسة «هادى العامرى» ربيب قاسم سليمانى، لكن العامرى رد على دعوة الصدر رداً غامضاً، بأنه يؤيد كل ما هو لمصلحة الشعب، ما دل على أن «العامرى» يفضل الصفقات الثنائية الجانبية، وليس الرسائل المنقولة علناً عبر وسائل التواصل. هذا يضيق الخناق أكثر على الحكومة الحالية، فاتفاقات من هذا النوع ومباركة «سليمانى» لها، تضع «عبدالمهدى» فى مهب رياح شاقة، ذلك بالحسابات القديمة على الأقل. لكن اليوم فى الشارع، هناك المتغيرات التى لم يفهمها لا سليمانى ولا الصدر نفسه، العائد منذ أيام من طهران والذى أصابه ما أصاب المرجعيات الشائخة، فقد علت صيحات المتظاهرين هاتفين من ساحة التحرير «لا مقتدى لا هادى، (هادى العامرى) حرة تبقى بلادى»، أثناء محاولتهم ليل الأربعاء عبور جسر السنك، نحو مبانى التليفزيون الحكومى ومنطقة الصالحية.

الأحداث فى العراق تتجاوز الجميع، وتكنس أمامها ميراث الصفقات والإملاءات التى تجرى داخل جدران الحوزة. والأخطر أنها تعمدت بالدماء الشريفة فى الشوارع والطرقات، وتعمق من غيبوبة وتشوش المراجع الدينية والسياسية، التى لا تنفك تنظم اجتماعاتها ومناقشاتها العقيمة التى تتدثر بكل مساوئ الطائفية الممكنة.