محمد منير.. لماذا نحب الملك؟
لا يحب الإنسان أحداً كما يحب ابنه؛ لأنه من نفس "اللحم والدم"، حتة منه، يشبهه في ملامحه و إحساسه وانفعالاته وعاطفته، ينظر إليه فيستعيد طفولته وصباه وماضيه الجميل الذي كان مثل نور الصبح ونسيمه، هذا الماضي الذي نشتاق إليه كلما زاد الحمل الثقيل على كاهلنا أو زاد القبح من حولنا ونحن نمضي خطوة جديدة في وحل الحياة.
على نحو ما، نحن نحب هذا الملك لنفس السبب، لأنه من لحمنا ودمنا، حتة مننا، يشبه بعضنا في ملامحه، ويشبهنا جميعاً في إحساسه وانفعالاته وعاطفته، ولأنه جزء أصيل من ماضينا الجميل، ذكريات طفولتنا بكل ما فيها من براءة وعفوية، ربيع شبابنا بكل ما فيه من حماس وجنون.
محمد منير "حجرة نوستالجيا" كبيرة، ندخلها كلما دندن على آذاننا لحنٌ من ألحانه، أو مقطع من غنوة قديمة مختبئة في الذاكرة، الحنين إليه مثل الحنين إلى حضن أمهاتنا عندما كنا صغاراً، لا ينقطع مهما كبرنا، ومثل الحنين إلى رائحة الشتاء، جرس الفُسحة، فرحة الحصة الأخيرة، لعب الكرة في الشارع، حب بنت الجيران، وحب أبطال الطفولة أيضاً: مازنجر وتوم وجيري وباباي وماوكلي وكابتن ماجد والمغامرون السبعة وبكار "أبوكف رقيق وصغير وعيون فنان محتار.. أبوضحكة وصوتها فى قلبه بيضوى ألف نهار".
نحب محمد منير لأننا نحب كل هؤلاء، ولأننا نحب "الحياة للحياة"، ونحب "نلضم أسامينا الفُلة جنب الياسمينة"، ونحب "الطول واللون والحرية"، ولأن كل واحد منا هو في قصة ما: "سارح في غربة بس مش مغترب"، ولأننا مثله تماماً "بننجرح"، ومثله أيضاً "لسة قادرين في الحزن نفرح"، وأحياناً نخاف نحلم لأننا "نخاف نوعد مانوفيش"، وأحياناً نخلع عباءة الخوف ونركض مثل الشجعان ربما، أو مثل الأطفال ربما، نلعب ونرقص ونحلم ولا نتوقف عن الحلم لأننا "لو بطلنا نحلم نموت".
نحب محمد منير لأنه صدى صوتنا الداخلي، ينطق بما نحدث به أنفسنا، هو المغني ونحن أصل الغنوة، صوته قبل أن يخرج من حنجرته التي تشبه ناي مصنوع من عود قصب بَرّي سميك في جنوب مصر خرج من بين ضلوعنا وقلوبنا وحناجرنا، إحساسه مغموس بفرحنا وهمنا على نحو سواء، وكلماته مغزولة بتفاصيل حياتنا في كل مراحلها وكل أشكالها، في الطفولة والكبر، في الحلوة والمرة، حياتنا "اللي فيها ابتسامة وفيها آه، فيها قاسية وحنية".
هو ليس مطرباً جيداً فحسب، هو أكثر قيمة وأعمق معنى، هو "حدوتة مصرية" بدأت مع الربع الأخير من القرن الماضي، "حدوتة" بطلها شاب "لونه شوكولاتة" ممصوص الجسد "جاي من بلاد بعيدة لا زاد ولا مياه"، لكنه جاء وهو يملك الأهم من الزاد والماء، جاء وهو يملك صدقه وصوته وإحساسه الجميل النبيل الذي ورثه عن آبائه وأجداده ولم يفرط فيه ولم يبعه ولم يتركه على رصيف الغناء الهابط.
مضى الشاب الأسمراني في رحلته، يخطوة خطوة ونخطو معه، يكبر يوماً ونكبر معه، الشاب الصغير أصبح ملكاً لما بلغ أشده.. ملكٌ لا ينازعه أحد ولا يرثه أحد.
وبرغم من أربعة عقود قضاها على عرشه بشرعية كاملة بلا احتجاج واحد ولا طلب رحيل، وبرغم من آلام الرحلة وقسوة الزمن.. مازال الملك هو الملك.. لسة بيجري ويعافر، ولسة عيونه بتسافر، ولسة قلبه لم يتعب من المشاوير.