كيف وصل لبنان إلى حافة الانهيار؟

سيد جبيل

سيد جبيل

كاتب صحفي

خرج الناس فى لبنان للشارع تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، لكن الأزمة الاقتصادية تُخفى وراءها أزمة سياسية أعمق تمتد لسنوات مضت وتحمل بصمات كل صراعات المنطقة وحروبها.

يمكن أن نتبين حدة الأزمة الاقتصادية من خلال عدة مؤشرات بسيطة: فالدين العام اللبنانى (نحو 86 مليار دولار) هو الأعلى عربياً والثالث عالمياً، كنسبة من الناتج المحلى، إذ تبلغ هذه النسبة نحو 150%. سداد هذه الديون يتطلب اقتصاداً عفياً ينمو بمعدلات عالية نتيجة نشاط الاستثمار الوطنى والأجنبى، لكن متوسط معدل النمو فى الناتج المحلى الإجمالى فى السنوات بين 2010 و2017 يقف عند 1.3% فقط، مقارنة بمتوسط بلغ 9.2% فى السنوات التى سبقت الحرب السورية، وتحديداً بين عامَى 2006 و2010. وانخفض الاستثمار الأجنبى المباشر من نحو 3.9 بين عامَى 2006 و2010 إلى 2.8 مليار دولار فقط فى السنوات التى أعقبت الربيع العربى. وبلغ عجز الموازنة العامة 11% فى 2018، وسجّل عجز الحساب الجارى 27% من الناتج المحلى الإجمالى الذى يقدر بنحو 56.6 مليار دولار العام الماضى، مع تراجع تحويلات العاملين فى الخارج التى بلغت 6.9 مليار دولار فى 2016 مقارنة بـ8.5 مليار فى 2010. (المصدر تقرير «لبنان.. رؤية اقتصادية» الصادر عن مؤسسة البحوث والاستشارات اللبنانية مارس 2019).

هذه الأرقام تعنى استحالة سداد هذه الديون دون حزمة مساعدات ومنح خارجية، لكن الدول المستعدة لتقديم هذه المساعدات أحجمت عن ذلك لسببين أساسيين: دول الخليج، وتحديداً السعودية، أكبر مصدر للمساعدات الخارجية للبنان، لم تعد مستعدة لدعم بلد بات يسيطر على القرار السياسى فيه «حزب الله» الموالى لإيران، أكبر خصوم المملكة. قطر لها موقف مختلف، لكنها لم تقدم شيئاً يُذكر لبيروت. والدول الغربية، مثل فرنسا، رهنت مساعداتها (وآخرها 11 مليار دولار تعهد المانحون الدوليون بضخها فى لبنان فى أبريل 2018 فى مؤتمر سيدر بباريس) بشرط التزام الحكومة اللبنانية بتوصيات صندوق النقد الدولى، وأهمها خفض الإنفاق العام وزيادة الإيرادات من خلال زيادة الرسوم والضرائب، وتقديم حزمة إصلاح اقتصادى تضع نهاية لمشكلات عالقة منذ سنوات، مثل حل مشكلة الكهرباء التى تنقطع نحو 12 ساعة يومياً عن معظم مناطق الدولة.

لكن الحكومة مترددة فى الاستجابة للصندوق خوفاً من غضب الشعب (وهو ما حدث بالفعل) الذى يرى حكومته فاسدة، وهى كذلك، فوفقاً لتقرير مدركات الفساد 2018 فإن لبنان يحتل المركز 37 بين أكثر دول العالم فساداً.

مع تراجع الاستثمارات والمساعدات ركزت الحكومة على القروض، وأصبح هم البنك المركزى الأساسى جذب أكبر قدر ممكن من الودائع الدولارية، إذ تقوم البنوك التجارية بمطاردة أصحاب المدخرات بالعملة الخضراء وتعرض عليهم فوائد تتراوح بين 10 و15% حسب فترة الوديعة، ثم تقوم البنوك بإيداع هذه الدولارات فى «المركزى» مقابل عائد مُغر، ويقوم المركزى بدوره بإقراض هذه الأموال للحكومة. وهو الوضع الذى وصفه صندوق النقد الدولى بأنه «غير قابل للاستمرار».

الأزمة الاقتصادية فى لبنان لها أسباب كثيرة، منها أن هذا البلد الهش يستضيف 1.5 مليون لاجئ، منهم مليون سورى نزحوا إليه بعد الحرب السورية بداية من 2011 (وفقاً لمنظمة الغوث واللاجئين التابعة للأمم المتحدة). هذا النزوح كلف الخزانة العامة اللبنانية 1.1 مليار دولار بين عامى 2012 و2014 فقط، والحرب السورية التى أضرّت لبنان بطرق أخرى، منها فقدان عوائد التجارة البينية وتقليل جاذبيتها أمام المستثمرين والسائحين، وهبطت بمعدل نمو اقتصادها 3% وفقاً للبنك الدولى.

لكن أزمة لبنان لها أسباب أعمق، فلبنان كان لسنوات طويلة ساحة صراع مثالية للأطراف المتحاربة فى المنطقة. وزاد الأمر سوءاً فى السنوات العشر الأخيرة، وتحديداً مع الحرب فى سوريا، إذ تحول لبنان، الذى نجا من حرب أهلية، إلى ساحة لحرب سياسية بالوكالة بين السعودية وإيران من خلال حلفائهما المحليين. هذا الصراع الداخلى ذو البعد الإقليمى أصاب الحياة السياسية بالشلل، وقد سجلت الممارسات السياسية هناك أرقاماً يمكن أن تدخل موسوعة جنيس: فى مايو 2018 أجريت أول انتخابات برلمانية فى 9 سنوات، واستغرق تشكيل الحكومة (الحالية) 252 يوماً. وسبق الانتخابات البرلمانية انتخاب العماد ميشيل عون رئيساً للبلاد بعد فراغ فى المنصب استمر لمدة 29 شهراً، عقب انتهاء ولاية ميشيل سليمان فى مايو 2014.. وكان هذا إنجازاً كبيراً لأنه استغرق 45 جلسة من نواب البرلمان للاتفاق على مرشح تتوافق عليه القوى السياسية المقسمة على أساس طائفى، وهى قوى متصارعة ضد بعضها البعض ومنقسمة على نفسها أيضاً، فهناك صراعات سنية شيعية، وصراعات مسلمة مسيحية، ولكن هناك أيضاً صراعات سنية - سنية، ومسيحية - مسيحية، إلخ.

هذه الأوضاع المعقدة هى التى دعت كثيراً من اللبنانيين لرفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». لكن فى بلد يعيش على المحاصصة الطائفية منذ استقلاله عام 1943، كيف يمكن أن يسقط نظام «عاطل معطل»، لكنه يمثل فعلياً كل قوى المجتمع، بين عشية وضحاها؟!