«هشام»: السقوط فى بئر صرف ينهى حياته فى ثوان

كتب: إسلام فهمى

«هشام»: السقوط فى بئر صرف ينهى حياته فى ثوان

«هشام»: السقوط فى بئر صرف ينهى حياته فى ثوان

«يا أبوى المدرسة ما فيهاش تعليم، ومش بستفيد منها حاجة، والكتب لسه ماخدتهاش، خلينى معاك أساعدك أحسن» كلمات عبر بها الطفل الضحية هشام فتحى عباس، 12 سنة، تلميذ بالصف الثالث فى مدرسة بنى خلف الإعدادية بمركز مغاغة فى المنيا.. وكأنه كان يشعر أنه سيلقى حتفه.. تملكه التردد حيناً والرفض حيناً آخر حينما هم والده بإرساله إلى القرية لمتابعة دراسته بعد قضائه إجازة منتصف العام فى مساعدة والده الفقير، عم فتحى، 61 سنة، فى عمله كبواب فى منطقة العجوزة. لم يكن باستطاعة هشام، سوى سماع نصيحة والده بالرجوع إلى القرية ومتابعة دراسته، وفى تمام الساعة السابعة من صباح أمس الأول، استيقظ الطفل من نومه وارتدى ملابسه بعد تناوله وجبة الإفطار مع والدته وأشقائه متوجهاً إلى مدرسته، لم تكن سوى لحظات فصلت بين حياته وموته.. فمع دقات جرس الفسحة هرول «هشام» إلى فناء المدرسة للهو والمرح مع زملائه وفجأة اختفى عن أعينهم، فظل الصغار يبحثون عنه يميناً ويساراً، معتقدين أنه يلعب معهم ثم اكتشفوا أنه سقط فى بئر صرف عمقه 30 متراً، وبينما كان والده البواب الفقير «فتحى»، يباشر عمله فى القاهرة تلقى اتصالاً هاتفياً نزل عليه كالصاعقة: تعال حالاً ابنك مات فى المدرسة. «الوطن» انتقلت إلى منزل الطفل هشام، ضحية الفوضى والإهمال فى قرية بنى خلف بمغاغة، والتقت بوالده الذى حضر من القاهرة لتلقى واجب العزاء، وقال الأب المكلوم: «ندمان أنى دخلت ابنى مدرسة حيث كان يساعدنى فى عملى بالقاهرة، وعندما بدأت الدارسة طلبت منه أن يتوجه للمنيا لمتابعة دراسته، فرفض، ولكننى أقنعته بضرورة السفر حرصاً على مستقبله، وبعد مرور 3 أيام فقط من بدء الدارسة راح منى فى شربة ميه».[FirstQuote] ويضيف والد الضحية: «المدارس فى مصر منظرة ومجرد حوائط وأسوار بداخلها مصير مجهول للتلاميذ الأبرياء، ومفيش أى اهتمام ولا فيها تعليم، وأكثر ما أحزننى رد فعل المسئولين وتعاملهم مع الحادث البشع، فالمحافظ اتصل بى وأنا فى طريق عودتى من القاهرة للمنيا لحضور جنازة ابنى، وقال لى بالحرف الواحد: إنت عم فتحى والد الطفل هشام اللى مات فى المدرسة؟ ورديت عليه: أيوه يا باشا، فقال لى: البقاء لله وشد حالك، ولم يكلف نفسه بأن يعدنى بالقصاص لنجلى، ولم يعطنى فرصة لأنقل له ما حدث والإهمال الذى تعيشه المدرسة، وبعدها اتصل بى مسئول من وزارة التعليم وقال لى يا عم فتحى البقاء لله، وربنا يصبرك». لم تتوقف دموع الأم وهى تصرخ «عايزة ولدى.. يا ريتنى ما صحيتك من النوم يا هشام.. ولا قلتلك روح المدرسة، فين الحكومة؟ المدارس بايظة، بيارة الصرف ملهاش غطا، والعيال بتقع فيها، عايزة حق ابنى، المدرسين مهملين، وابنى راح المدرسة يتعلم مش يموت ويرجعلى جثة، حسبى الله ونعم الوكيل فيك يا وزير التعليم». وطالب محمد فتحى شقيق هشام بالتحقيق مع وزير التربية والتعليم والمسئولين بالإدارة التعليمية بمغاغة، ومدير المدرسة، وهيئة الأبنية التعليمية، ورئيس مجلس المدينة، ورئيس المجلس القروى، لإهمالهم الجسيم وتعاملهم من الحادث بسلبية، وقال: نحن لن نطالب بتعويض لأن أموال الدنيا لن تعوضنا عن شقيقى، ولكن المدرسين حولوا المدرسة إلى سوبر ماركت ومول تجارى، لإعطاء الدروس الخصوصية، والمدرسة يحاصرها الإهمال والفوضى. وقال عمر فتحى شقيق الضحية هشام، إن شقيقه ذهب للمدرسة طلباً للعلم وليس الموت بسبب الإهمال، واتهم جميع العاملين بالمدرسة الذين لم يقوموا باتخاذ اللازم نحو تغطية البئر بالتورط فى قتل شقيقه، وقال: «بعد وفاة شقيقى اتصلنا بقوات الإنقاذ لانتشال الجثة ولم تحضر، كما أن البئر متهالكة من جميع جوانبها وبها فتحات، وسور المدرسة يقع بجواره محول كهرباء ضغط عال». زملاء التلميذ بالمدرسة اتفقوا على رواية واحدة تقريباً، ملخصها أنه فور خروجهم للفسحة فى تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، انطلقوا فى الفناء يلعبون ويمرحون وكان بينهم هشام، وأثناء وجودهم حول خزان الصرف الذى يعلو سطح الفناء بمسافة ربع متر تقريباً، فوجئوا بانهيار الغطاء وسقوط هشام داخل الخزان، فأصيبوا بصدمه تبعها بكاء وصراخ. ولم تختلف رواية محمد عبدالعظيم، عمدة القرية، عن راوية زملاء هشام كثيراً، حيث قال لـ«الوطن»: «شاركت فى جهود إنقاذ التلميذ التى استمرت لنحو ساعتين متواصلتين، حيث استدعانى الخفراء عقب أذان الظهر، وقالوا لى هناك تلميذ غرق فى بئر الخزان بالمدرسة، فتوجهت إلى هناك وعرفنا من زملائه أنه هشام فتحى، ووالده يعمل بالقاهرة وهو من أسرة فقيرة وأحوالهم المعيشية صعبة، ولم نستطع مشاهدة أى شىء فى الخزان لأنه عميق جداً، وممتلئ بالمياه فأحضرنا سيارات كسح، وقمنا بتفريغ المياه حتى تمكنا من انتشال الجثة»، وأضاف أن الخزان قديم جداً، ولا أحد يستطيع أن يبرئ المسئولين من تهمة الإهمال وإن كان غير مقصود.