فاتن و«سى بى سى سفرة» والثوار

ميلاد زكريا

ميلاد زكريا

كاتب صحفي

فى حوارها مع «الوطن» قالت الفنانة الكبيرة فاتن حمامة: «الناس يتفرجون على أفلامنا القديمة، ليس حباً فينا، وإنما ليتفرجوا على مصر التى كانت»، وهى تقصد ذلك الحنين إلى زمن كانت فيه مصر على أبواب التحضر والمدنية والحريات، لذلك عندما نتفرج على أفلام الأبيض والأسود، لا نركز فى سطحية القصة ولا الأداء السخيف للممثلين، بل نركز فى طبيعة ملابسهم ونظافة شوارعهم وخلائها، حتى الحوارى كانت أكثر نظافة وجمالاً وبساطة، مثل البشر الذين كانوا وما عادوا. وتعرض قناة «سى بى سى سفرة» مجموعة هائلة من البرامج حققت أعلى نسبة مشاهدة لبرامج الطهى والمأكولات الغريبة، مصرية وعربية وعالمية. ويتحدث الطهاة المحترفون بمفردات لا نعرفها عن أطعمة لا نعرفها، يمتزج فيها السكر بالملح والمانجو بالطماطم وعصير البرتقال، فيما نجلس مبهورين نحن الذين قضينا حياتنا بين الفول والقلقاس والملوخية والأرز والكشرى والطعمية. نتابع بشغف واهتمام رغم أننا لا نملك المال الكافى لشراء احتياجات هذه الوصفات، وربما لا نملك أصلاً جرأة المغامرة بتجريب طعام لا نعرف مذاقه. لكننا نتفرج ونحلم مستمتعين بكرنفال الألوان الزاهية التى نراها فى الأطباق. وعلى «تويتر وفيس بوك»، يجلس الثوار. وعلى الرغم من أنه عالم افتراضى شاسع لا حدود له، مفتوح للخيال، فإنه فى الوقت نفسه شديد الفقر والضيق، لا يمكنك فيه أن ترى أبعد من تلك الشاشة التى تتوالى عليها الأخبار والصور والثورات. يقدم فيس بوك وتويتر عالماً آخر غير ذلك الذى نراه فى الواقع، يزدحم ببشر آخرين غير أولئك الذين تزدحم بهم شوارعنا، وهم أنفسهم الذين يحددون مصائرنا عندما نستدعيهم إلى صناديق الاستفتاء والانتخاب، غير أن هؤلاء الثوار رغم عزلتهم عن الواقع، يشبهون أحلامنا بمصر التى كانت فى أفلام فاتن حمامة، ويشبهون أحلامنا ونحن نشاهد المأكولات التى تساوى تكلفة الواحد منها أحياناً الحد الأدنى للأجور الذى أقرته الحكومة. الثوار ضرورة لمستقبل هذا الوطن، مثل ضرورة استمرارنا فى الأحلام تماماً، ولا أقصد بالثوار أولئك الشباب الذين يتاجرون بالثورة مثلما يتاجر الإخوان بالدين، أو مثلما يتاجر السياسيون بالوطنية، بل أقصد تحديداً الطيبين الذين خذلهم الشعب مرتين، الأولى عندما بصم على تمليك مصر للإخوان والإرهابيين، والثانية عندما حول ثورة 30 يونيو إلى تفويض لصناعة إله جديد من العجوة يتحول بمرور الوقت إلى كرباج يُلهب ظهور الذين حملوه إلى مقعد الحكم. هؤلاء الطيبون هم الأقلية التى شاركت فى ثورتى 25 و30. أختلف مع الثوار على طول الخط، خصوصاً عندما يتغافلون عن إرهاب الإخوان ويدعون للحوار والمصالحة معهم، اعتماداً على مبدأ «ديمقراطية الرأى والرأى الآخر»، دون أن يدركوا فى الحقيقة أنهم يطالبوننا بـ«ديمقراطية الرأى والقتل الآخر». إنهم مثاليون يؤمنون بالقيم المطلقة، حتى لو أخذهم ذلك إلى طريق التعاطف مع القاتل وتجاهل القتيل.. قد يخطئون لكنهم يمثلون حلم مصر الذى ينبغى أن نحميه من رجعيتنا واستسهالنا ومن خيالهم الشاطح. أصدقائى.. اهبطوا معنا إلى الأرض قليلاً.