المجمع المقدس.. قراءة في أوراق اجتماع "يونيو العاصف"

كتب: مصطفى رحومة:

المجمع المقدس.. قراءة في أوراق اجتماع "يونيو العاصف"

المجمع المقدس.. قراءة في أوراق اجتماع "يونيو العاصف"

في توقيت عاصف، جاء انعقاد المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، بعيدًا عن ضجيج المدينة وصخبها.

الاجتماع السنوي للمجمع الذي يُعد أعلى سلطة في الكنيسة، تغيب عنه 15 عضوًا، فيما حضره 113 آخرين من أعضاء المجمع البالغ عددهم 128 مطرانًا وأسقفًا، يظنهم الجميع واحد وهم في الأصل مختلفي الأفكار والتوجهات، حتى دأب البعض على تقسيمهم لفرق ذاك "تقليدي محافظ"، والآخر "إصلاحي تنويري"، وبينهما فريق "الظل" وهم الباحثون عن "الخلاص" لا يعنيهم الأمر، مفضلين المتابعة والانحياز إلى رأي رأس الكنيسة دون تعبيرهم عن رأي مخالف.

كطودين عظيمان، يظن البعض الأمر داخل المجمع المقدس بين المعسكرين "التقليدي"، و"الإصلاحي"، بحكم غبار المعركة التي يثيرها أتباعهما على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن في الحقيقة أنَّ في كل معسكر نفرًا قليل من أعضاء المجمع المقدس، والأغلبية هم من يشكلون المنطقة "الرمادية"، الذين اصطلح عليهم معسكر "حزب الكنبة".

ومن ضمن أعضاء المجمع المقدس 44 أسقفًا أدخلهم البابا تواضروس منذ جلوسه على الكرسي البابوي بخلاف كل من "الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار القتيل، والأنبا بقطر أسقف الوادي الجديد الراحل".

 

(1) الإصلاح الإداري

تكمن أهمية الاجتماع الدوري للمجمع المقدس للكنيسة، في دورته العام الجاري، أنَّه يأتي بعد أحداث جسام مرت بها الكنيسة على مدار الأشهر الماضية، غيرت من طبيعتها كما لم تفعل السنوات الماضية.

وخلال دورة مايو 2018، فضّل الأنبا رافائيل أسقف عام كنائس وسط القاهرة والمرشح السابق للانتخابات البابوية، ترك مقعد الرجل الثاني كسكرتيرًا للمجمع المقدس ليترك الفرصة كما قال "لضخ دماء جديدة في شرايين الكنيسة"، وقد كان فجرى انتخاب الأنبا دانيال أسقف المعادي والقريب من البابا فكريًا وشخصيًا لهذا المنصب، وتم معه اختيار السكرتارية المساعدين وكلهم من المقربون من البابا وهو أمر طبيعي لصالح الكنيسة والحاجة للتناغم في العمل الإداري داخلها.

في هذا الاجتماع، قرر البابا إجراء تغيير على لائحة المجمع المقدس، أراد للتغيير الإداري أن يطول كل المواقع بالكنيسة دون احتكار، وأمام ما يثار حول التعليم الكنسي والتعاليم الخاطئة شكلت لجنة مكونة من 5 أعضاء من المجمع لدراسة ومراجعة الأخطاء التعليمية التي تصدر من بعض المعلمين الكنسيين.

وتحديًا لمن أراد تحجيم دور البابا في الانفتاح على الطوائف الأخرى، مرر البابا رغبته في عقد لقاء محبة يضم جميع بطاركة الكنائس الأرثوذكسية من العائلتين فى كنيسة الإسكندرية، وشكّلت لجنة من المطارنة والأساقفة لمتابعة تنفيذ هذا الاقتراح الذي حدد لعقده موعدًا مبدئي في ذلك الوقت وهو مايو الماضي، ولكن الاقتراح لم يرى النور لأسباب متعددة.

ويرى البابا أنَّ تنظيم الكنيسة داخليًا هو هدفه الأول، وأنَّ نقلها من الفردية إلى النظام المؤسسي هو همه الأول، فانطلق بعد هذا الاجتماع العديد من التغييرات الإدارية بالكنيسة، وجرى تغيير رؤساء المجالس الإكليريكية الإقليمية للأحوال الشخصية، كما طالب أساقفة الكنيسة بتغيير وكلاء المطرانيات وتحديد 3 سنوات لوكيل المطرانية تجدد لمرة واحدة فقط، وأن يجرى تغيير مجالس الأحوال الشخصية المحلية، كما قرر تغيير وكيل بطريركية الإسكندرية.

وخرج البابا يتحدث عن هذا التغيير في افتتاحية مجلة "الكرازة" تحت عنوان "روح التجديد"، مشيراً إلى أنَّ الكنيسة منذ أن تأسست تقوم على نظام يتطور إدارياً من مرحلة إلى مرحلة بحسب معطيات الزمان، ومع امتداد الكنيسة واتساع عملها وخدمتها ونشاطها احتاجت إلى نظام إدارى جيد ومتجدد بحسب المسئوليات التى تظهر لخدمة الكنيسة.

وتابع "تواضروس"، أنَّه من أجل تجديد العمل الإدارى بالكنيسة جرى افتتاح معهد جديد منذ 3 أعوام فى العلوم الإدارية والتنموية لتقديم دورات ودراسات للأساقفة والكهنة والرهبان والمكرسات والشمامسة والخدام والخادمات عن العمل الإداري والتنظيمي.

وأكّد البابا أنَّ التجديد سيطال قريباً المجلس الملي العام بعد تعديل مسماه ولائحته، وهيئة الأوقاف القبطية -وهو ما تم فعلًا وصدر به قرار من رئيس الجمهورية في أبريل الماضي-، وإدارة المعاهد التعليمية من أساتذة وإداريين، ومجالس الكنائس طبقاً للائحة الموضوعة منذ 4 سنوات مع مراعاة ذلك في كنائس الخارج بما يتفق مع القوانين المحلية التي تختلف من بلد إلى آخر.

وقال البابا إنَّه منذ أن تم تجليسه على "الكرسي البابوي" في 2012، أعلن أن على رأس أولوياته "ترتيب البيت الكنسي من الداخل"، وخلال 6 سنوات أنجز ما لا يزيد على 5% فقط من حقل العمل المتسع.

 

(2) دماء إبيفانيوس

ولكن لم يمهل القدر البابا، حتى وقعت جريمة قتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبو مقار، داخل أسوار ديره على يد راهبين حكم عليهما في أول درجات محاكمتهما بالإعدام شنقًا، لتزلزل الجريمة الكنيسة وتدفع البابا لإعادة حساباته، وليتخذ قرارات وصفت بالجريئة لمواجهة تبعات تلك الحادثة، ليمنع الرهبان من الدخول على مواقع التواصل الاجتماعي ويمهلهم شهرًا لإغلاق صفحاتهم الشخصية، ويمنع عنهم الاختلاط بالعالم الخارجي أو العمل بالتجارة والأمور المالية، ويجرى وقف الالتحاق بالرهبنة لمدة عام ستنتهي في أغسطس المقبل، ويجرى لأول مرة كشوف ذمة مالية للرهبان بالأديرة لمعرفة حساباتهم الشخصية وحصر سياراتهم وما يمتلكوه، في ظل ما جرى الكشف عنه من انحرف الرهبنة عن مسارها، ووجود شوائب في براري النساك.

لا يوجد لدى البابا تواضروس وقت للفرح والحزن، أو حتى الراحة من أتعاب الجسد الذي اعتل بسبب مشاق المسئولية وثقل المهام الموكلة إليه.

ظهر الصراع داخل الكنيسة إلى العلن بعد واقعة مقتل الأنبا إبيفانيوس، وما كان يدور في الغرف المغلقة أصبح مشاع، والفريقين داخل الكنيسة أظهرا وجههما.

البابا يعتبر واقعة الأسقف المغدور به فاجعة كبرى ويكشف أنَّه كان مستشاره والعلامة اللاهوتي الذي يرجع إليه، ليرى الفريق "المحافظ" في ذلك انحيازا واضح من رأس الكنيسة إلى من يصفونهم بأبناء "المتاوي"، نسبة إلى الراهب متّى المسكين أحد أشهر رهبان الكنيسة في القرن العشرين والأب الروحي لرهبان دير أبو مقار، والمتهم من قبل التيار "المحافظ" بأنَّه صاحب التعاليم الخاطئة والذي وقف مع الدولة ضد الكنيسة في عهد البابا الراحل شنودة الثالث وينسبون أنفسهم بأنهم أبناء "البابا شنودة".

 

(3) نبش الماضي

كتائب إلكترونية، ومعارك على مواقع التواصل الاجتماعي بين الطرفين، لم يرحما فيها "الأموات"، فنبش الجميع في الماضي لعلة يجد فيه ضالته ويؤكّد حجته، لتتسع الهوة بينهما بإسقاط لقب "شهيد" عن الأسقف المغدور، هكذا أفتى الأنبا رافائيل سكرتير المجمع المقدس في مقطع منتشر على موقع التواصل الاجتماعي "يوتيوب".

طال التطاول مقام البابا، لم يتركوه، هاجموه بكل قسوة، اتهموه في إيمانه، شنعوا عليه، الصقوا به الاتهامات، اتخذوا من أحداث المنيا خنجرًا مسمومًا يرغبون في طعنه به، نشطت الكتائب خلال سفره للولايات المتحدة، تستنكر عليه ترحيبه بالرئيس، أصابتهم لوثة من تقارب الكنيسة مع السلطة، يريدونها نارًا، يصنعون المقارنات، ويستدعون الماضي.

فعلوها معه من قبل في ربيع 2014، حينما صنع "الميرون المقدس"، أحد أسرار الكنيسة السبع، فاتهموه بمخالفة التقليد الكنسي، وهاجموه بضراوة جعلت البابا يخرج ليطالبهم بالكشف عن أنفسهم وعدم التستر في أسماء وهمية، معلنًا أنهم لن يكونوا أكثر غيرة منه على الكنيسة والإيمان.

حاول البعض أنَّ يصنعوا في حياة الأنبا بيشوي مطران كفر الشيخ ودمياط، منه العلامة اللاهوتي المحافظ على الإيمان المستقيم من الهراطقة الذين كان يواجههم بسياط كتبه، وظن بعضهم أنَّه هو المحرك لرياح الهجوم الموسمية على البابا، ولكن بعد رحيله بكاه البابا ونعاه، وأصبغ عليه الصفات، لعله يهدئ من روع من لاكت السنتهم قصة عدم حضور البابا جنازة المطران الراحل ولم يراعوا بعد المسافات، وبرنامج الزيارة التاريخية للبابا وقتها للولايات المتحدة الأمريكية.

 

(4) تحركات البابا

ولكن من رفع «المحبة لا تسقط أبدًا» شعارًا له، سار في طريقه، لم يلتفت إلى العثرات التي وضعوها له، أزالها الواحدة تلو الأخرى، إلا أنَّ هذا لم يشفع للواقفون على الجهة الأخرى من النهر، فأشاعوا في الأجواء تحركات لعزل البطريرك، وأخذت الشائعة تكبر رويدًا رويدًا حتى أصبح صمت أعضاء المجمع المقدس أمامها جريمة، فخرجت البيانات الكنسية تنفي وتفند الشائعة.

وأمام تلك الحالة لم يجد البابا، سوى أنَّ يلتقي بكل قطاعات الكنيسة، ليستمع منها ويكاشفها بحقائق الأمور، فكانت اجتماعاته مع إيبارشيات القاهرة، خلال الصوم الكبير، بل وأخذ يجتمع مع كل قطاع من قطاعات المجمع المقدس للكنيسة، فعقد يوم 7 مارس لقاءً مع أساقفة القاهرة الكبرى البالغ عددهم 22 أسقفًا ومطرانًا إلى جانب القمص سرجيوس سرجيوس وكيل بطريركية القاهرة، وعقد يوم 27 مارس لقاءً مع أساقفة شمال الصعيد البالغ عددهم 18 مطران وأسقف، وعقد يوم 6 أبريل لقاء مع أساقفة الإسكندرية والوجه البحري، حضره 19 مطران وأسقف إلى جانب القمص أبرآم إيميل وكيل البطريركية بالإسكندرية، والتقى يوم 9 أبريل بأساقفة جنوب الصعيد والبالغ عددهم 15 أسقفًا ومطرانًا.

ودارت خلال تلك اللقاءات حوارات ونقاشات حول تطوير منظومة العمل الإداري بالإيبارشيات وتطبيق اللوائح التي تنظم العمل الكنسي، مع مناقشة موضوعات الأحوال الشخصية وتنمية اجتماعات وخدمات الشباب بصورة خاصة، كما جرى عرض لأهمية الاستفادة من المكتب البابوي للمشروعات ومن المعهد القبطي للتدبير الكنسي والتنمية وتأكيد التعاون مع أنشطة مجلس كنائس مصر، والعمل على اكتشاف المواهب المتميزة في مجالات وقطاعات الخدمة.

وشاركت في إعداد وتنظيم هذه الاجتماعات السكرتارية العامة للمجمع المقدس، والتي كانت تبدأ بالصلاة وكلمة روحية من البابا ومناقشة جدول الأعمال وينتهي كل لقاء بالصلاة وتناول الطعام وأخذ صورة تذكارية.

ونظرًا لسفر البابا للخارج وفترة الأعياد كان من المقرر أن تعقد لقاءات مماثلة مع رؤساء الأديرة، وأساقفة الإيبارشيات بالخارج.

 

(5) أزمة تعليم

وكما وجهوا حملات النقد للبابا بعد حكم إعدام أول راهبين في تاريخ الكنيسة بسبب جريمة قتل "الأنبا إبيفانيوس"، أنتظروا للبابا تصريحه بإمكانية دراسة السماح لأقباط المهجر الاحتفال بعيد الميلاد في 25 ديسمبر، لتعمل معها ماكينة التشوية، رفعوا شعارات "حماة الإيمان"، قيل لهم يسّروا ولا تعسّروا والمواقيت ليس من العقيدة في شيء، فهاجوا وماجوا وقالوا لماذا نحن؟ سنتهم بأننا فعلنا ما لم يفعل السابقون الأولون، سيقولوا أننا فرطنا في الإيمان وبعنا الكنيسة.

وقبيل انعقاد الدورة الجديدة للمجمع المقدس التي تأتي بعد أن غيب الموت "إبيفانيوس"، و"بيشوي"، حمل الأنبا أغاثون أسقف مغاغة راية «حماية الإيمان»، وهو من رد عبر منبر قناة "مارمرقس"، الناطقة الرسمية باسم الكنيسة التي يشرف عليها الأنبا إرميا الأسقف العام والسكرتير السابق للبابا شنودة الثالث، على كلمة البابا عقب جريمة مقتل رئيس دير أبو مقار.

فقال البابا: "إيمان الكنيسة محمي بصاحب الكنيسة وهو المسيح ولا أحد غيره يحمي الإيمان، وهو ليس سلعة تشتريها وتخزنها"، ليرد "أغاثون"، أنه هو ورجال الكهنوت داخل الكنيسة "مسؤولين أمام الله عن إيمان الكنيسة وعقائدها ومؤسساتها وأسرارها وتعاليمها والنفوس التي فيها، وأملاكها وسمعتها وصورتها وتمثيلهم بالإنابة عن الكنيسة، وأنه سيأتي وقت على من أؤتمن على وكالة وسيقول له المسيح أعطي حساب وكالتك، وسيحاسبهم عن التفريط في الإيمان".

"أغاثون"، الذي أسس لجنة للإيمان والتعليم بإيبارشيته، ومركز للدراسات اللاهوتية، خرج وإلى جواره الأنبا موسى أسقف الشباب، والأنبا بنيامين مطران المنوفية، والأنبا مايكل أسقف عام فيرجينيا، يطالبون بالتصدي للتعاليم الخاطئة، ورغم السرية التي تفرض على المكاتبات الكنسية إلا أنه تم تسريب المذكرة المقدمة للمجمع المقدس إلى بعض الصفحات القبطية المناصرة لتوجهات الأساقفة الأربعة فكريًا، في محاولة للضغط على البابا والمجمع المقدس وتأليب الرأي القبطي، والظهور بمظهر المدافع عن الإيمان، والصوت الصارخ بالحق في البراري.

ورغم ما ذهب إليه البعض من تفنيد أسباب إعلان الأساقفة الأربعة تكتلهم الإيماني وحدهم دونًا عن باقي الأساقفة، وهل طرحوا تلك المذكرة على أساقفة آخرين في الكنيسة ورفضوا التوقيع عليها؟، ولماذا ساقوا في مذكرتهم الهجوم على زملاء آخرين لهم داخل المجمع المقدس مثل "الأنبا بفنوتيوس"، مطران سمالوط المعروف بدوره الإصلاحي وتصيد الرد على كتابة حول "تناول المرأة الحائض"، رغم رد الكنيسة على تلك النقطة في المجمع المقدس في يونيو 2017 والتي خلصت إلى "عدم نجاسة المرأة في أثناء الدورة الشهرية، ولكن بسبب التقوى والحرص اللائق بالتناول من الأسرار المقدسة والالتزام بما تم تسليمه بالتقليد يليق بالرجل والمرأة أن يمتنعا عن التناول في فترات عدم الاستعداد الجسدي، إلا في حالات استثنائية بمشورة الأب الكاهن الروحي ولأسباب رعوية".

كما جرى مهاجمة الأنبا إنجيلوس الأسقف العام، بسبب عظته الأزمة حينما كان يشغل منصب النائب البابوي بأمريكا الشمالية وقال فيها ببعض الرمزية في قصص العهد القديم، ورغم تأكيد الأسقف في بيان بعد ذلك بأنه لم يقل  بأن الإنجيل به أساطير ولكن هناك بعض الرمزية في قصص العهد القديم والتي لا تؤخذ بحرفيتها.

يأتي ذلك فضلًا عن التعرض إلى مدرسة الإسكندرية التي تثير منذ سنوات حفيظة التيار التقليدي بالكنيسة، وجرى رفع العديد من التقارير الكنسية ضد تعاليمها للمجمع المقدس من لجنة الإيمان والتعليم برئاسة الأنبا موسى، ورد على بعض كتبها الأنبا بيشوي مطران كفر الشيخ الراحل وحذر منها، وهي المدرسة التي ظهرت فكرتها عام 2008 بين الراهب سارافيم البرموسي من دير البرموس بوادي النطرون، والقس مرقص داود من كنيسة مار جرجس سبورتنج بالإسكندرية، وأصدرت مجلة عام 2009؛ وشارك في الكتابة بها: "القمص تادرس يعقوب ملطي، والأنبا مقار أسقف الشرقية، والأنبا هرمينا الأسقف العام بالإسكندرية قبل أن يصبحا أسقفين بالكنيسة، والقس باسيلوس صبحي والقس لوقا يوسف والقس جريجوريوس رشدي قبل الحصول على درجة الكهنوت".

وفي 2013 بدأت المدرسة في إصدار الكتب المتخصصة والترجمات في مختلف المجالات المسيحية، ووقعت في 2014 شراكة أكاديمية مع كلية القديس كيرلس في الولايات المتحدة، وأنشئت في 2015 دار نشر ومؤسسة تعليمية باسم مدرسة الإسكندرية وأصبح لها مقر في منطقة مصر الجديدة بالقاهرة وتم إنشاء مكتبه لبيع الكتب وبدأت في تنظيم لقاءات ودورات ومحاضرات باللغتين العربية والإنجليزية، ورفعت شعار "معاً.. وعي من أجل الحياة" خلال عامي 2015 - 2016، وكان الهيكل الإداري للمدرسة يضم في عضويته: "الأنبا إيسيذورس رئيس دير العذراء البرموس، والأنبا إبيفانيوس رئيس دير أنبا مقار الراحل، والأنبا مكاري أسقف عام كنائس شبرا الجنوبية، والأنبا أنجيلوس أسقف عام كنائس شبرا الشمالية"، وكان البابا تواضروس كتب بنفسه في افتتاحية مجلة الكرازة الناطقة بلسان الكنيسة يشيد بالمدرسة ومجلتها مشيرًا إلى أنَّ الكنيسة في حاجة لمثل هذه الدوريات التي وصفها بأنها تعضد التقوى الروحية للشباب والخدام.

ولم تكن محاولة الأساقفة الأربعة هي الأولى للتحذير من التعاليم الخاطئة، فقبل انعقاد المجمع المقدس في 2018، انضم الأنبا أغاثون أسقف مغاغة والعدوة ورابطة خريجي الكلية الإكليريكية، لمطالب 11 من أساقفة أمريكا وملبورن باستراليا ولندن في بريطانيا، بإقامة "حوار لاهوتي" داخل الكنيسة لمواجهة خطر تلك التعاليم على الإيمان المسيحي والطعن في الكتاب المقدس.

وأصدر الأنبا أغاثون، وقتها بيانًا يؤيد فيه مطالب إقامة حوار لاهوتي داخل الكنيسة بسبب التعاليم الخاطئة والانحرافات العقائدية، والتي قال أن لها أصحابها في الوسط الكنسي.

كما أرسلت رابطة خريجي الكلية الإكليريكية التابعة للكنيسة، رسالة إلى البابا وأعضاء المجمع المقدس، تحذر فيه من وجود أخطاء عقيدية وكتابية وروحية داخل الكنيسة ترقى لمستوى الهرطقات التعليمية والتي تخص الأسرار المقدسة والتشكيك في حقيقة وواقعية بعض أحداث العهد القديم ومخالفة المفهوم السليم للمحبة التي لا تتعارض مع معتقداتهم وإيمانهم.

وقالت رابطة خريجي الكلية الإكليريكية التابعة للكنيسة، إنَّ "تلك التعاليم قد تدفع الأقباط إلى اللاطائفية والإلحاد والتشكك في الثوابت الإيمانية، وتثير البلبلة والصراعات والانقسامات داخل الكنيسة".

 

(6) رسائل البابا

وأمام تلك الحالة خرج البابا يُلقي عظته الأسبوعية، على بضع عشرات من أعضاء المجمع المقدس، حدثهم عن "تجديد العقل"، مشيرًا إلى أنَّ وظيفة العقل أنه وعاء للمعرفة ويساعد الإنسان في اتخاذ قراراته إذا كان عقله على مستوى الإستنارة وعقله سليم يقوده الله وليس الهوى الشخصي، موضحًا أن سمات العقل الخطأ هو التهويل والانحراف واليأس والتجمد ورفض أي جديد والروتيني المنقاد وراء أي شخص.

وقبيل بدء مناقشات جدول أعمال المجمع المقدس يوم الخميس، بدأ البابا اللقاء بالصلاة والقى عظة روحية عن "رحلة الاستنارة والجهل"، واصل ارسال رسائلة المبطنة لمن وصفهم بـ"منغلقي الذهن" و"منعدمي البصيرة" الذين "لا يفهمون الكتب" ويطالبهم بـ"التعقل" قبل "الكلام".

وبحسب مصادر كنسية، فإن اللقاء اتسم بالمصارحة وجرى الاستماع لكل الآراء، وترك البابا الفرصة للمختلفين معه في الحديث، وفي ختام الجلسة أكّد أعضاء المجمع احترامهم وتقديرهم للبابا ومكانته الكنسية وتضامنهم مع ضد أي محاولة للنيل منه، وهو الموقف الذي شكرهم البابا عليه، إلا أنه لم يذكر في البيان الختامي للمجمع المقدس.

وطغت قضية التعليم الكنسي على أعمال المجمع، وأخذت الحيز الكبير من النقاش، رغم أنها قضية مزمنة منذ سنوات وأخذت فيها من قبل العديد من القرارات، وأقيمت المؤتمرات وخاصة تلك التي تنظمها أسقفية الشباب برئاسة الأنبا موسى داخل مقر المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي برئاسة الأنبا إرميا، إلا أنها مازالت تمثل الهاجس الأكبر داخل جدران الكنيسة.

 

(7) قرارات المجمع

وبعد تأخر دام لأكثر من 24 ساعة منذ انتهاء الاجتماع عن صدور بيان للمجمع المقدس، أرجع لمحاولات صياغته وضبط عباراته، ليأتي بطريقة متوازنة تحقق رغبات المعسكرين "التقليدي" و"الإصلاحي"، فخرج البيان قبل دقائق من منتصف ليل يوم الجمعة، ورفض رجال الكنيسة الرد على استفسارات الصحفيين حول" لماذا تأخر صدور البيان رغم أن القس بولس حليم المتحدث باسم الكنيسة أكّد في تصريح صحفي، أنَّه سيصدر مساء الخميس، إلا أنَّ هذا لم يحدث ليصدر في مساء اليوم التالي.

وحمل بيان المجمع المقدس، قرارات بالاعتراف بـ3 أديرة جديدة، و22 توصية لـ11 لجنة مجمعية، أبرزها تأجيل تجليس الأساقفة الجدد فترة من شهر إلى 3 أشهر حتى يتفرغ الأسقف للدراسة وتبادل الخبرات، وإنشاء صندوق لرعاية الإيبارشيات ذات الاحتياج، وجود دار لكبار السن فى جميع الإيبارشيات، ودراسة إضافة "تعهد العروسين" إلى صلاة الإكليل، وإنشاء لجنة فرعية تختص برعاية المرأة، إضافة مواد الصحة النفسية ومكافحة الإدمان لمناهج الكليات اللاهوتية والمعاهد الدينية، تطبيق برنامج الكشف المبكر عن الإعاقة، تشكيل لجنة لوضع دستور إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إنشاء بنك المعرفة الكنسية، إصدار كتاب وثائقي عن الأديرة القبطية، تشكيل مجلس للتعليم الكنسي وتشكيل لجنة فرعية جديدة للمراجعة الإيمانية تكون مسئولة عن مراجعة أي تعليم خاطئ ينشر سواء على الميديا أو على المنابر ويكون مقررها الأنبا هدرا مطران أسوان تلك الشخصية التوافقية الذي لم يضبط متلبسًا بموقف مضاد للتيار الإصلاحي، ويحظى بقبول من التيار التقليدي كونه شغل من قبل منصب سكرتير البابا الراحل شنودة الثالث قبل رسامته أسقفا في منتصف 1975.

وفيما اعتبر ذلك خطوة نحو الإصلاح الإداري وعدم ترك الأمور الكنسية للأهواء الشخصية والعمل الفردي؛ جاءت التوصية بعمل خريطة مسكونية لكل العلاقات والحوارات مع الكنائس الأخرى، مع عمل سجل إلكتروني مبوب لتوثيق نتائج الحوارات.

كما أنَّ التوصية بتشكيل لجنة لوضع دستور إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بحسب الباحث في اللاهوت الدفاعي مينا أسعد، هي خطوة جيدة لشرح واستخدام الفاظ إيمانيه معبرة عن الإيمان القبطي الأرثوذكسي، تشرحه وتوضحه وتمنع مرور الفاظ أو تعبيرات يلتبس فهمها، ويُفترض أنَّ يناقش أمور مثل أسلوب تفسير الكتاب المقدس والفصل بين الرمزية والحرفية، ليقطع الطريق على من ينادون بأسطورية أدم وحواء مثلا.

ورغم وصف البعض للبيان بأنَّه متوازن ومرر رغبات التيارين "التقليدي" و"الإصلاحي"، ثار جدل حول توصية لجنة شئون المهجر حول السماح "باستثناءات لقوانين الكنيسة والتقليد المقدس نتيجة احتياجات رعوية بكنائس بلاد المهجر"، واعتبره البعض أنه تمرير لرغبة البابا بالسماح لأقباط المهجر بالاحتفال بعيد الميلاد في 25 ديسمبر بدلا من 7 يناير، إلا أن القس بولس حليم، أكّد عدم صحة ذلك مشيرًا إلى أنَّ ذلك يحتاج لقرار، أما ما خرجت فهي توصية وهي غير ملزمة للإيبارشية وتترك حرية تطبيقها للدراسة والتنفيذ، ولم يكن المقصود بتلك التوصية فكرة "الاحتفال بالأعياد"، إلا أن تلك التوصية تحتاج إلى توضيحات من الكنيسة عن العديد من الأسئلة حولها غير جزئية "الأعياد"، لأن رد الكنيسة سيلجم المتقولين الذين مسكوا فيما يزيد الخلاف ولم ينظروا إلى العديد من التوصيات الإيجابية التي خرج بها المجمع المقدس مثل "لجنة المرأة، ودستور إيمان الكنيسة، ولجنة التعليم الكنسي، والكشف المبكر عن الإعاقة، وبنك المعرفة الكنسية".


مواضيع متعلقة