رمضان والمسيحيون في "أم الدنيا"

يعيش المسلمون حول العالم الأجواء الرمضانية كلٌ حسب ثقافته، ولكن يبقى رمضان المصري متفردًا بمظاهر نادرًا ما تجدها في أي مكان آخر. فهنا، يصوم المسيحيون في نهار رمضان عن الأكل والشرب والتدخين في العمل والمواصلات والأماكن العامة، ولا يمكن أن تجد واحدًا منهم في مطعم أو مقهى في نهار الشهر الفضيل.

في سلسلة حوارات أجريتها مع عدد من الرموز القبطية في مجالات الفن والثقافة والسياسة بالإضافة لمجموعة من رجال الدين بمختلف الطوائف المسيحية في مصر حول طقوس حياتهم خلال الشهر المبارك، اكتشفت بُعدًا آخر من أبعاد التآلف والتعايش الذي يتخطى الشعارات الجميلة، والعبارات التي تدغدغ المشاعر، جميعهم بلا استثناء، أكدوا أن الروح المصرية لهذا الشهر لا يمكن إيجادها في أي مكان بالعالم، سواء في الدول الإسلامية أو الغربية.

أحدهم وهو رجل دين مرموق ذكر لي أن والدته كانت تُعد مائدة كبيرة للإفطار تدعوا إليها جيرانها المسلمين في الإسكندرية مدينة تلاقي الحضارات، وأن والده كان حريصًا على شراء الفانوس له كما الأطفال في منطقته، وأنه خلال فترة خدمته بالقوات المسلحة كان حريصًا أيضًا على أن يتسلم الخدمة من زميله المسلم وقت الإفطار ليذهب الجندي ويتناول طعامه مع باقي زملائه، أخبرني أيضًا أن هذا التصرف عرضّه للمساءلة من قائد الكتيبة ليتم تكريمه بعد ذلك على أخلاقه العالية وشعوره النبيل.

قِسٌ آخر من طائفة أخرى، قال لي إن والده كان يضربه في الطفولة إن رآه يأكل أو يشرب أمام أقرانه من المسلمين في نهار رمضان، وهو التصرف الذي ورثه عن والده ويطبقه ليس على أبنائه فقط، بل أيضًا على رعيته من أبناء الكنيسة.

كانت تجربة ثرية خرجت منها بعدد من الثوابت، أن رمضان في مصر بالشباب القبطي الذي يقف في الشوارع ساعة الإفطار ليوزع التمور والعصائر، وأطفال المسيحيين الذين يلعبون بالفانوس مع جيرانهم مساءً، والكنيسة التي تحرص على تنظيم مائدة إفطار "الوحدة الوطنية" كل عام خلال الشهر الفضيل، كلها إشارات قوية على تماسك ووحدة هذا المجتمع الذي استوعب الجميع، حتى أصبح لدينا رمضان الذي ينتظره المسيحيون، وأعياد الميلاد والقيامة التي ينتظرها المسلمون، وأن المصريين بعبقريتهم التاريخية استطاعوا تمصير المناسبات الدينية، وفصل الشعائر الروحية عن المظاهر الاحتفالية، وتعميم الأخيرة على كل أطياف المجتمع دون النظر إلى الديانة.

فهل يدرك أعداء مصر والمتربصون بوحدتها الضاربة في التاريخ، وهل يدرك المرتزقة الذين تحركهم القوى الخارجية هذه الحقيقة، وهل لزامًا علينا أن نذكرهم بهذه الثوابت، ونذكرهم بأن أئمة الكراهية وخطباء العنف والإرهاب قد تراجعوا صاغرين عن دعوتهم الهدّامة، أم نتركهم ليتعفنوا مع أفكارهم المتطرفة، وثقافتهم المعادية للآخر؟.

كل عام وأنتم بخير.