20 ألف مواطن يحترفون صناعة الكتان: هذا ما وجدنا عليه آباءنا

كتب: يسرا البسيونى

20 ألف مواطن يحترفون صناعة الكتان: هذا ما وجدنا عليه آباءنا

20 ألف مواطن يحترفون صناعة الكتان: هذا ما وجدنا عليه آباءنا

على جانبى الطريق احتل الكتان الأصفر المشهد ليزين رحلة الوصول إلى قرية شبرا ملس قلعة صناعة الكتان فى مصر، فالجميع يعمل بالكتان أطفالاً وكباراً، وكان الطريق مزدحماً بالجرارات التى تنقل الكتان من المحافظات الأخرى إلى القرية، وعند الوصول إلى القرية تنتشر الرائحة النفاذة التى تميل إلى العفونة، والتى يعود مصدرها إلى الكتان المغمور فى المياه لفترة كبيرة.

فى أحد مصانع القرية، يقف الحاج ماجد أبودنيا، صاحب مصنع كتان بشبرا ملس ممسكاً بعض أعواد الكتان المحمصة، تحت أشعة الشمس والمجمعة فى حزم صغيرة، قائلاً إن «شبرا ملس زرعت هذا العام 4000 فدان من الكتان، وهذا ما وجدنا آباءنا وأجدادنا عليه، وجميعنا يعمل به»، قالها وهو يشير إلى طفل صغير ممسك بيده حزمة من الكتان، وإلى جواره الجرار الزراعى يقوم بدهس حزم الكتان المرصوصة كأول مرحلة فى صناعات الكتان وهى مرحلة الهدير، التى يتم فيها فصل البذور عن الأعواد، وأمام المصنع فى مساحة تجمع العمال، ليقوم كل منهم بمهمته.

الهدير والتعطين والتكسير أهم مراحل الإنتاج.. وصاحب مصنع: نعتمد على الصناعة الأولية

عم على، الرجل الخمسينى، يرتدى جلباباً قام بربطه من المنتصف حتى يسهل عليه الحركة والعمل بيسر، مرتدياً طاقية كبيرة فوق رأسه لتحميه من أشعة الشمس الحارقة، يمسح عرقه بيده، ويتناول القليل من الماء ويقوم بتجميع الكتان فى حزم متساوية ويضعها بشكل أفقى، تمهيداً لإدخالها إلى المعطنة التى توجد على بعد خطوات، وهى ثانى مراحل تصنيع الكتان، التى تشبه بركة المياه، وتفوح منها رائحة عفنة وعند الاقتراب منها تراها معكرة ذات لون داكن، ورائحة نفاذة لا يتحملها إلا من اعتاد عليها، نظراً لتكون البكتيريا بها التى تعمل على تخمر المياه ووصولها لهذه الدرجة من العطن، ويتم نقع أعواد الكتان بالمعطنة لمدة تصل إلى 10 أيام، حتى تسهل مهمة فصل الخشب عن شعر الكتان، وعلى يمينها يتم وضع الكتان بعد خروجه من الماء وتفكك الحزم ويوضع على شكل هرمى، مع التقليب من حين إلى آخر ليجف تماماً من المياه بعد التعطين، تمهيداً لدخوله إلى الماكينات المصفوفة بجوار بعضها، التى يبدو عليها القدم والبدائية، فيأخذ العامل الكتان المنشر ويضعه داخل الماكينة فتقوم بفصل العادم عن الشعر، عن الساس، فى 4 مراحل متتالية، بداية بمرحلة تكسير الخشب، تليها مرحلة ترطيب الألياف بكمية صغيرة من المياه ليعاد ضربها على مراوح الصنعة، فيخرج شعر الكتان، الذى يقوم باقى العاملين بتجهيزه ويقومون بوضعه لتمشيطه على الماكينة الخاصة للحصول على ألياف متناسقة فى الأطوال، وبعدها يتم تجميعه على شكل ضفائر وكبسه ثم التعبئة فى صناديق خشبية، تمهيداً لتصديره إلى الصين، التى تقوم بتحويله إلى قماش ثم تعيد تصديره إلى مصر.

"ماجد" يطالب بتدخل الدولة: نحتاج ماكينات حديثة لإنتاج القماش بدلاً من تصدير الخام

يعود «ماجد» إلى شونة الكتان ليستكمل حديثه، قائلاً: الكتان يحيط بالقرية من جميع الجهات، زراعة ومصانع وحرفة، وبجانب كل فوائده، فهو يمثل قنبلة موقوتة يمكن أن تنهى حياة الجميع فى لحظة واحدة، ففى قرية شبراملس كلها لا يوجد سوى عربة إطفاء واحدة، فعندما يحدث حريق يكبدنا خسائر كبيرة نظراً لسرعة اشتعاله، وكثرة انتشاره بمعظم أراضى القرية، فهناك نحو 20 ألف نسمة يعملون بالكتان، وهذا مجال عملنا الوحيد، ونعتمد على الصناعة الأولية الممثلة فى هذه الآلات البدائية، وأضاف: «نأمل أن نتقدم فى صناعة الكتان، وندخل الماكينات الحديثة إلى مصانعنا حتى نتمكن من تصنيع قماش الكتان فى بلدنا بدلاً من استيراده من الخارج، ونأمل أن تولى الدولة جزءاً من اهتمامها بالكتان، فعند النظر إليه نراه من أهم مصادر العملة الصعبة، فيجب الاهتمام به بداية من البذرة التى لم تعد تعطى إنتاجية عالية وبالتالى نضطر إلى استيراد البذور من الخارج، نهاية بغزل الكتان فى مصانعنا»، مشيراً إلى أن طن الشعر من الكتان يعطى نحو 3 أمتار من القماش، سعر المتر تقريباً نحو 180 جنيهاً، «كيلو الشعر أبو 9 جنيه بيصفى دخل نحو 550 جنيه».

وأمام المعطنة الحاجة عزيزة صاحبة السبعين عاماً وحفيدتها، التى جاءت من قرية أبوصير لأخذ مياه الكتان العطنة، وعند التحدث إليها عن سبب أخذها تلك المياه، قالت إنها تشفى جميع الأمراض الجلدية، وإنهم اعتادوا على استخدام هذه المياه منذ زمن، فهى تعالج الحمو نيل الذى يبدأ ظهوره مع بداية موسم حصاد الكتان، وحب الشباب، ومعظم الأمراض الجلدية التى قد لا ينجح علاجها بالأدوية التى يصفها الطبيب، قائلة« اسأل مجرب ومتسألش طبيب، أنا ربيت كل أحفادى، ولما كان بيجيلهم أى مرض جلدى كنت باجى على هنا على طول، وآخد الميه العطنة وادهنلهم جسمهم مرتين فى اليوم وبعد أسبوع كانوا بيخفوا، احنا عمرنا ما رُحنا لدكاترة ولا كنا نعرف العلاجات التى بتجيبوها الأيام دى واللى تحسها بتزود المرض، أكتر ما هى بتخففه».


مواضيع متعلقة