رمضان شهر العبادة وخلافه

عادل نعمان

عادل نعمان

كاتب صحفي

فى صلاة التراويح: أغلقت الصفوف المتراصة البيضاء الملائكية الشارع بعرضه كاملاً فى وجوه الناس، المصلون فى المسجد القريب، والسيارات والتكاتك فى المسجد التالى، وضاقت الشوارع على المارة، والمساجد على المصلين فى هذا الشهر الفضيل، تختلط أصوات القراء، وتتداخل الآيات فى صخب وجلبة وصياح، فلا تستطيع أن تميز بين قارئ وآخر، أو آية تدعو إلى الرحمة وأخرى إلى العذاب، ولو كان الأمر قاصراً على المصلين فى المساجد لكان أقرب إلى القلوب وإلى التقوى، وأدنى إلى الخشوع والضراعة، وأفضل فى التدبر والتعقل، وصلاة التراويح ليست سنة عن الرسول، وكان كلما صلى وهمّ أحد من الصلاة خلفه تركه ودخل غرفته، وهى سنة عن «عمر بن الخطاب» عندما وجدهم يصلون فرادى جمعهم خلف إمام واحد، مرحباً بها نافلة وليست فرضاً، ولن يؤثم تاركها، ولو قلنا إن الميكروفونات هذه ليست «عمرية القرار» وصلوا دون ضجيج، قالوا: «أهلاً رمضان».

فى التسول الرمضانى: اصطف المتسولون فى الشوارع والحوارى والأزقة، وعلى الطرق السريعة والبطيئة وأمام المحلات، فى طابور التسول الرمضانى، كل يحجز مكانه ويسجله، فهذا طابور يسلم ورديته بعضه إلى بعض فى سهولة ويسر، وهذه تجمعات متفرقة تهرول دفعة واحدة إذا وقفت سيارة من السيارات، وربما يكون على موعد مع آخر، كثيرات يرتدين النقاب، وربما يختفى خلفه قلة من الرجال، وهذه مجاميع متراصة ترتدى ملابس هيئة النظافة بالإيجار اليومى، رثة ومتسخة وبالية، ومنهن من يحملن أطفالاً فى إهمال متعمد، بالإيجار يجوز، «مخطوفين» ممكن، والكثير منهم ثقلاء الظل، يتدربون عليها ويتفننون فيها، أكثرهم ثقلاً وغتاتة من يركب على كتفك ساعة الشراء، فتلتفت تجده راكباً عنده، ولو مررت فى شوارع القاهرة لرأيت فيما يصنعه هؤلاء القوم العجب العجاب؛ كتاب مفتوح ومقروء ومهين، ملايين المصريين الذين يخرجون صدقاتهم ليست فى محلها، بل أخطأت الطريق، وكان أولى بها غيرهم، انظر حولك ستجد من هم أحق، ولا يسألون الناس إلحافاً، ولو استأت ورفضت وقلت: ضلت الصدقات طريقها، قالوا لك: «رمضان كريم».

الكرتونة الرمضانية: بدعة من بدع المصريين، وكانت قد بدأت بإفطار صائم فى خيم رمضانية انتشرت على الطرق السريعة للمسافرين، حتى تطورت إلى اعتراض السيارات لإفطارهم، وكانت فيما سبق على بساطتها لها من الخير الكثير، حتى وصلنا إلى مشروعات إفطار الملايين من الصائمين، وكأن الشعب كله من المساكين، أو «شعب الكرتونة»، وأتساءل بصدق: هل هى فى مكانها الذى يجب أن يكون، أم ضلت الطريق كسابقتها؟ وهل تصل إلى مستحقيها دون مجاملات؟ أم تصل أحياناً بأكثر مما يجب، وبإسراف متعمد، وأحياناً لا تصل على الإطلاق؟ أموال مهدرة لشعب يعانى الفاقة والحاجة، ولو قلنا: يا قوم هذه المليارات التى تصنع المليونيرات والمتاجرين بالدين أمانة عظيمة فى جمعها وصرفها نرجوكم لا تفسدوا بها الصيام، وضعوها حيث يجب أن تكون، قالوا: «رمضان شهر الخير والبركة».

صلاة الموظفين: شهر القرب والانقطاع للعبادة أصبح شهر الانقطاع عن العمل، وإهمال حوائج ومصالح الناس، وأصبح الشارع مزدحماً ومكتظاً بالموظفين، وخليطاً ومزيجاً من العائدين والذاهبين والمزوغين من وإلى أعمالهم ووظائفهم فى وقت واحد، إلا المصالح الحكومية خاوية، فى أغلبها، على عروشها. والتفرغ لخالق العباد أصبح على حساب العباد أنفسهم، ولو كانت الصلاة على حساب المصلى ووقته لكان فيها الخير له، لكنها أصبحت على حساب مصالح الناس وأعمالهم، وصاحبنا الصائم الذى هبطت التقوى على ضميره دفعة واحدة، لا يجد حرجاً فى ترك مكتبه قبل الصلاة بساعة ويعود بعدها بساعة، ولما كان العمل يبدأ فى العاشرة وينتهى عند الواحدة، تصبح صلاة المصلى وصوم الصائم كله على حساب المواطن الشقيان الذى تعطلت مصالحه وأعماله، وعاد فى كل مرة مكسور الخاطر، وكل هذا سلف ودين بين الجميع، وثأر بين الخلائق «فما يصنعه زيد فى خلق الله يرده له عبيد»، ولو اعترضنا على تعطيل مصالح الناس قالوا فى نفس واحد: «اللهم إنى صائم».

وخلافه فى رمضان الكثير، وقد كانت فيما مضى قليلة الشأن، إلا أنها قد غطت على الأصل الآن، وأصبح شهر الصوم والزهد هو شهر الشراء والتخمة، وشهر العبادة هو شهر الرياء عند الكثير، وشهر الصدقات أصبح شهر التسول عند الأكثر، وهو شهر لو تعلمون عظيم إذا عدنا إلى الصلاة فى صمت وخشوع، وقراءة القرآن فى تدبر وإنصات، وعادت الصدقات تبحث فى الخفاء وتطرق بيوت المستحقين والمحتاجين فى ستر دون فضائح وتشهير، ولو علم الناس أن الصدقة تقع فى يد الله قبل أن تقع فى يد العبد لحرصوا كل الحرص على جمعها من حلال وصرفها لمستحقيها، ولو علم العباد أن مكر الله غالب ما تقرب أحدهم بالصلاة أو الصوم أو الحج إلا بصدق النية والعمل، ولو علم الناس أن الله يختلى مع من يقضى حوائج الناس يوم القيامة يحدثهم ويحدثونه لبحثوا عنهم ونادوا عليهم من بيوتهم، وأن الله العلى القدير لا تخدعه مظاهر المتاجرين بالدين وهو العليم ببواطن العباد، وأن العودة إلى رمضان شهر العبادة والصوم والورع والتقوى الذى عرفناه هو الأصل والأساس، وخلافه هذا ليس منه أبداً.