«السيسى» و«ماكرون» بين كنائس مصر ونوتردام

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

فى الأربعاء السابع عشر من أبريل الماضى وقف الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ليقول: «نأمل أن ننجز إعادة بناء الكنيسة، يقصد نوتردام، خلال خمس سنوات»! لم يعلق أحد على الخبر ولم يسأل واحد، واحد فقط، عن هذه المدة الطويلة التى يحتاجها المبنى، خصوصاً فى بلد أوروبى كبير سمعته وسمعة شركاته فى البناء والتعمير لا تخفى على أحد.. بل لم ينتبه أحد، وطبعاً لم يعلق واحد، واحد فقط، عندما دعا الداعون إلى جمع التبرعات لبناء الكنيسة من جديد! وكأن خزائن فرنسا أصبحت خاوية وأصبح التبرع الآن مشروعاً وحلالاً لا غبار عليه من قوى كبرى وعظمى سابقاً!

كل من ضربوا الأمثلة بفرنسا فى مناسبات عديدة سابقاً اختفوا.. وكل من لجأ إلى فرنسا شاكياً أو محرضاً ضد بلاده اختفى! وكل من هاجم بلاده لفتح بعض مؤسساتها باب التبرع لاستكمال مبانيها اختفى.. أما «الخيبة التقيلة» فهى فى أولئك ممن نريد أن نتوقف عندهم ومعهم.. أولئك الذين يدهشوننا بمواقفهم وأحياناً «عبقرياتهم» الفذة التى تنتج أفكاراً شديدة الغباء! فهم مثلاً عارضوا نظام الرئيس مبارك وقالوا عنه وفيه ما قاله مالك وغيره فى الخمر.. ويصفون عهده بعهد الخراب الكبير وعهد الفساد الكبير وعصر الانهيار الكبير وعصر تجريف الكفاءات و«قتل» أجيال كاملة تم تهميشها واستبعادها وفتح باب المحسوبية واستغلال النفوذ وأن نظام الرئيس مبارك أعاد مصر للوراء عشرات السنين.. وكل هذه الاتهامات ثابتة بمقالات وتظاهرات وندوات وحوارات وتصريحات وهتافات.. ومع ذلك أغلب هؤلاء ومنذ الأسبوع الأول لتولى الرئيس «السيسى» المسئولية وهم يستعجلون بصيغة «وضع العقدة فى المنشار» ليقوم الرجل بإصلاح عهد الخراب الكبير وإعادة بنائه ومواجهة لصوص عهد الفساد الكبير وتحجيمهم والتخلص منهم ووقف زمن الانهيار الكبير والبناء من جديد! ومن يفعل ذلك منذ الأسبوع الأول يفعل ذلك بعد انتهاء الولاية الأولى للرئيس ولكن كيف يجمعون بين كل شىء؟ لا نعرف! وصفهم لعهد «مبارك» مع استعجالهم للرئيس «السيسى» مع تجاهلهم لتمنيات الرئيس الفرنسى أن ينتهى من بناء كنيسة فى خمس سنوات مع جمع التبرعات لها!!!

تعالوا الآن نصدمكم بالحقائق.. تعالوا لحديث الأرقام التى لا تكذب ولا يكذبها إلا أرقام بديلة.. ربما يتخيل البعض أن كنيسة نوتردام التى أحزننا جداً ما تعرضت له طولها مائة وثمانية وعشرون متراً وعرضها ثمانية وأربعون متراً تضم برجين طول كل منهما تسعة وستون متراً وعشرة أجراس وبرجاً مدبباً ارتفاعه تسعون متراً! ومع احترامنا الكامل للشكل والمضمون الذى تريده الحكومة الفرنسية للكاتدرائية الباريسية بشكلها الجديد والمنتظر ولا رؤيتها للزمن المطلوب إنجازها فيه لكن علينا أن نتذكر معاً.. ولن نعيد ذكر مشروعات كبرى معروفة مثل محطات توليد الكهرباء الكبرى فى بنى سويف والبرلس والعاصمة الجديدة ولا محطة جبل الزيت بالبحر الأحمر العملاقة لتوليد الكهرباء من الرياح ولا محطة الحمراوين بالبحر الأحمر أيضاً بتكنولوجيا الفحم ولا محطة كهرباء أسيوط الجديدة ولا محطة جبل عتاقة لتوليد الطاقة من المياه ولا أكبر محطة طاقة شمسية فى العالم بأسوان.

ولن نتكلم لا عن مزارع سمكية ولا عن موانئ جديدة ولا عن إعادة تأهيل ثروات المصريين التى بنيت فى الستينات ثم أهملت مثل ترسانة الإسكندرية أو سيماف أو كيما أسوان أو حلوان للصناعات الهندسية ولا قها ولا حتى عن إضافات «السيسى» الجديدة لممتلكات المصريين مثل النصر للكيماويات 1 و2 بالفيوم وأبورواش ولا مجمع بتروكيماويات الإسكندرية ولا عن مشروع الصوب الزراعية العملاق ولا عن مشروعات استصلاح الأراضى فى مشروع المليون ونصف المليون فدان ولا عن محطات تحلية المياه.. بل لن نتكلم عن الطرق الجديدة ولا عن المدن الجديدة من رفح الجديدة إلى شرق بورسعيد إلى السلام إلى العلمين إلى العاصمة الإدارية إلى ناصر إلى غرب قنا إلى توشكى إلى الإسماعيلية الجديدة بل ولا حتى عن مشروع التخلص من العشوائيات الخطرة فى الأسمرات والإسكندرية وتل العقارب وغيرها وغيرها رغم أنها كلها أعمال هندسية فى هندسية..

ولا عن مئات المشروعات الأخرى.. بل سنتوقف فقط عند حركة ترميم وبناء وإعادة بناء الكنائس نفسها والتى أحرقتها أيدى الإرهاب وتجاوزت التسعين كنيسة بدأناها بعد ٣٠ يونيو ببناء كنيسة «مشروع أهالينا ٢» ثم ترميم كنائس بطول مصر وعرضها وعلى سبيل المثال بالاسم فى أسيوط كنائس نهضة القداسة وسانت تريزا ومطرانية أسيوط للأقباط الأرثوذكس وماريو حنا بمركز أبنوب ومطرانية القوصية بمركز القوصية وكنيسة الملاك، مركز شباب تابع لكنيسة منشأة لطف الله وعد، وبالمنيا صاحبة النصيب الأكبر من الاستهداف كانت كنائس ومنشآت خدمية مثل المستشفيات والمدارس؛ آباء اليسوعيين بحى أبوهلال وواجهة مبنى الخدمات الداخلية وواجهة المركز الطبى التابع لها فى كنيسة مارمينا للأقباط الأرثوذكس بمنطقة أبوهلال بمدينة المنيا والكنيسة الإنجيلية بالكامل بمنطقة جاد السيد بالمنيا ومدرسة ودير راهبات القديس يوسف بالمنيا وكنيسة الأنبا موسى الأسود بمنطقة أبوهلال بالمنيا ومار يوحنا بشارع السوق بالمنيا وكنيسة مارمرقص للأقباط الكاثوليك بحى أبوهلال والكنيسة الرسولية الثالثة بعزبة إسكندر وأبوهلال بالمنيا وكنيسة نهضة القداسة الثانية بالمنيا وكنيسة السيدة العذراء للأقباط الأرثوذكس والكنيسة المعمدانية بمركز بنى مزار والكنيسة الإنجيلية ومبنى الخدمات الملحق بها، وكنيسة الأمير تادرس الشطبى بمدينة المنيا التابعة للأقباط الأرثوذكس والتى بنيت بصورة فنية رائعة وكنيسة «العائلة المقدسة» بملوى ومبنى الخدمات الملحق والكنيسة الإنجيلية بملوى أيضاً! فضلاً عن دير وادى النطرون الذى غرق ورمم بالكامل، لقد ضربنا المثل بالكنائس قياساً على كنيسة واحدة فى فرنسا.. مساحتها تعادل مساحة المبانى التى تم ترميمها وتأهيلها بمعهد القلب! والمقارنة ليست بالطبع بين مكانة الكنائس هنا ومكانتها هناك ولا حتى بين طاقات عمل.. وإلا كنا ذكرنا ما جرى فى ترميم الآثار المصرية وحجم العمل فى المتحف الكبير أو حتى ما تم فى مساجد مصر من بناء وتجديد وترميم وإعادة الفرش.. وإنما هى رسالة تذكرة.. والذكرى تنفع المؤمنين.. ممن يشيحون بوجوههم بعيداً عما يجرى فى بلدهم.. ويستغفلون الناس بالأكاذيب وما يستغفلون إلا أنفسهم!