١٠٠ مليون صحة.. تجربة للتاريخ!

لم تكن المرة الأولى التى أرى فيها هذه البطاقة البيضاء الخاصة بحملة ١٠٠ مليون صحة.. التى انتشرت بكثافة بين يدى المرضى والأصحاء على حد سواء.. ولكنها ربما كانت المرة الأولى التى أستمع فيها إلى رأى أحد الذين أظهر التحليل أنه مصاب بالمرض دون أن يعلم من قبل.. وقد كان ما سمعته يختلف عما كنت أتوقع تماماً.. فى البداية ينبغى أن نعترف أن تلك الحملة هى أفضل ما تم إنجازه عبر وزارة الصحة المصرية ربما عبر تاريخها.. فما يحدث فيها وما يتم تقديمه من خدمات صحية وإحصائية من خلالها هو النواة الأولى لأن يتم بناء نظام صحى متكامل يخضع لمعايير عالمية فى التسجيل والمتابعة.. لقد أخبرنى مريضى، الذى تجاوز الستين عاماً ببضع سنوات، كيف أنه ذهب للفحص على سبيل التسلية.. إلا أن إيجابية الاختبار جعلته يذهب لإجراء اختبار الـPCR فى أحد المعامل التابعة للحملة أيضاً.. ثم قام بإجراء تحاليل أخرى وأشعة تليفزيونية ليطمئن على سلامة الكلى والكبد.. كل هذا قبل أن يتم صرف العلاج كاملاً له.. ودون أن يتكلف مليماً واحداً..!

المبهج فى الأمر أن التحاليل والأشعات التى تم إجراؤها لهذا المريض قد تتكلف مئات الجنيهات إن قرر إجراءها على نفقته الخاصة.. والأكثر بهجة بكثير.. أنه قد تم اكتشاف المرض دون أن يعلم المريض أنه مصاب به من قبل.. وهو ما ينبغى النظر إليه بالكثير من الاهتمام..!

لقد نجحت الحملة فى أن تكتشف هؤلاء المرضى الساكنين.. حاملى المرض دون أن يبدو عليهم شىء من أعراضه.. لقد تمكنت من الكشف عن «مخازن» الفيروس التى لم تكن لتظهر أبداً.. والتى كانت ستظل قنابل موقوتة تنشر المرض فى من حولهم كل يوم دون رقيب..!

ربما كانت هناك الشكوى الأشهر -والمتوقعة حتماً- من الازدحام فى المستشفيات العامة والمعامل ومراكز الأشعة.. وربما كان الأمر يحتاج لعدد أكبر من المعامل والمستشفيات.. ولكن حتى بتلك القوة المتاحة.. فالنتيجة مبهرة بكل ما تحمله الكلمة من معان.. المبادرة لا شك أنها تكتب فصلاً جديداً فى دستور التاريخ الحضارى المصرى.. فإجراء الكشف وتقديم خدمات المتابعة والتقييم بل والعلاج بالمجان للمواطنين هو أمر يليق بدولة كبيرة تهتم بصحة مواطنيها بشكل راق.. والاستعانة بقاعدة بيانات الناخبين للوصول لجميع المستهدفين من المسح هو أمر ينبغى أن يتم تثمينه بشكل محترم.. ويضيف إلى إنجازات تلك الحكومة الشابة ما يجعلها تقدم نفسها للمواطنين بشكل أكثر قرباً.. بشكل عام.. وبشهادة طبيب ما زال يمارس مهنته التى يعشقها.. فتلك الحملة هى أفضل ما تم إنجازه فى مجال الصحة فى هذا الوطن.. ربما منذ أن تم الإعلان عن خلو مصر من شلل الأطفال فى مطلع هذه الألفية..!

لقد أثبتت الحملة أننا نستطيع حين نريد.. ونفعل وقتها ما يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به.. أعتقد أن الاستفادة من قاعدة البيانات التى تم بناؤها عبر تلك الحملة ينبغى أن يكون أكثر عمقاً.. وتكرارها فى العديد من الأمراض غير السارية كأمراض الكلى المزمنة على سبيل المثال يمكن أن يكون مفيداً.. إن الاستثمار فى الصحة هو الخيار الاستراتيجى لأى دولة تبحث عن طريق المستقبل بواقعية.. وما يتم عبر تلك الحملة هو «تجربة مصرية» فريدة من نوعها.. تجربة سيذكرها التاريخ لمصر قيادة وشعباً.. تجربة تدل على أننا قد تلمسنا ذلك الطريق أخيراً..!