"ثوار.. وورثة"| الطلاب.. أشعلوا «فتيل الثورة» وحملوا مصباحها من التوكيلات حتى الاستقلال

كتب: سلوى الزغبى

"ثوار.. وورثة"| الطلاب.. أشعلوا «فتيل الثورة» وحملوا مصباحها من التوكيلات حتى الاستقلال

"ثوار.. وورثة"| الطلاب.. أشعلوا «فتيل الثورة» وحملوا مصباحها من التوكيلات حتى الاستقلال

أشعلوا الشرارة بمجرد أن هاجت خواطرهم فدفعوا الأمة إلى ثورة غاضبة لا كبير لها غير الشعب، الذى رفض التصرفات الجائرة التى اتخذتها السلطات البريطانية تجاه بلدهم؛ لتكون محطة اعتقال سعد زغلول ورفاقه ونفيهم خارج البلاد هى الأخيرة فى «الصبر» والأولى فى «مسيرة النضال»، ليكتب الطلبة بدايات ثورة 1919 ويرافقونها للنجاح حتى إعلان إنهاء الحماية البريطانية على مصر.

جمع التوكيلات من المواطنين فى مختلف المحافظات لتفويض سعد زغلول ممثلاً رسمياً للشعب المصرى ومنح أعضاء الجمعية التشريعية المصرية الحق فى المفاوضات السياسية مع بريطانيا، هذه الخطوة هى أولى خطوات تفاعل الطلبة مع تحركات القادة نحو الاستقلال، وفقاً لما رصده عبدالعزيز النحاس، نائب رئيس حزب الوفد لـ«الوطن»، الذى قال «كان الطلبة يكتبون التوكيلات ويتركون للمصريين التوقيع وطافوا المحافظات المختلفة»، مضيفاً «أول مشاركة للطلبة بدأت من المدرسة الخديوية الثانوية وانضمت إليها المدارس العليا والأميرية إلى حد أن السلطات البريطانية احتجت على هذا الأمر»، وأكد النحاس أن «المبادرة الثانية للطلبة برزت فى إضراب عدد من طلاب المدارس، احتجاجاً على قرار السلطات البريطانية برفض سفر أعضاء الوفد المصرى للمطالبة بالاستقلال، وما تبعه من اقتياد جنود الإنجليز لسعد زغلول من بيت الأمة فى 8 مارس»، مشيراً إلى أن الطلاب الحسين ياسين وزهير صبرى، وإبراهيم عبدالهادى، جمعوا غيرهم من الطلاب وانتخبوا طالبين «مسلم ومسيحى»، للحديث إلى عميد المدرسة الإنجليزى، وأعلنوا إضرابهم عن الدراسة.

هذا الأمر تناوله المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى فى كتابه «ثورة 1919: تاريخ مصر القومى من 1914 1921»، راصداً بدء ثورة 1919 بمظاهرات ألّفها الطلبة يوم الأحد 9 مارس، إذ أضربوا عن تلقى الدروس وخرجوا من مدارسهم وساروا بادئ الأمر فى نظام وسكينة تتقدمهم أعلامهم وهم يهتفون بحياة مصر والوفد المصرى وسعد وسقوط الحماية الإنجليزية.

كان طلبة مدرسة الحقوق أول المضربين، فقد امتنعوا عن تلقى الدروس منذ صبيحة هذا اليوم، وفقاً لرصد الرافعى، واجتمعوا فى فناء المدرسة بالجيزة يعلنون إضرابهم، فنصحهم المستر والتون ناظر المدرسة بالعدول عن الإضراب وكان يخاطبهم بلطف لم يستمعوا لنصيحته، فاستدعى المستر موريس شلدون إيموس، نائب المستشار القضائى البريطانى لوزارة الحقانية، فجاء على عجل وكرر عليهم النصح، ودعاهم إلى ترك السياسة لآبائهم، فأجابوه أن آباءنا قد سجنوا ولا ندرس القانون فى بلد يداس فيه القانون، وغادر الطلبة مدرستهم وتوجهوا إلى مدرسة المهندسخانة ثم إلى مدرسة الزراعة وكلتاهما بالجيزة فخرج معهم طلبة المدرستين، سار الطلبة يهتفون بحياة مصر وحياة سعد، وذهبوا إلى مدرسة الطب بشارع قصر العينى وذهبوا إلى مدرسة التجارة العليا بشارع المبتديان وانضم إليهم طلبتها، وسار الطلبة جميعاً متظاهرين هاتفين وقصدوا ميدان السيدة زينب، وقبل أن يبلغوه أدركهم رجال البوليس فأحاطوا بمئات منهم وأخذوهم إلى قسم السيدة، وفى ذلك الوقت أى بعد الظهر بقليل وصلت قوة (بلوك الخفر) مشاة وفرسان آتية من المحافظة بقيادة الضابط أرشر، وكيل الحكمدار، فأرادوا صرف الطلبة إلى بيوتهم فأبوا فهددوهم باعتقالهم فى المحافظة، فلم يذعنوا واقتادهم رجال البوليس من قسم السيدة إلى المحافظة بباب الخلق، مارين بشارع الخليج، وفى طريقهم انضم إليهم طلبة مدرسة التجارة المتوسطة ودار العلوم ومدرسة القضاء الشرعى والإلهامية الثانوية وغيرها من المدارس التى سرت فيها روح الإضراب، واختلط الجمهور بطلبة المدارس وساروا معهم متظاهرين، واعتقل فى هذا اليوم نحو 300 طالب، حبسوا فى المحافظة وساقوهم ليلاً إلى القلعة، وكان طلبة الأزهر والمدارس الأخرى، وبخاصة المدارس الثانوية، لم يعلموا بمظاهرة ذلك اليوم، فلمّا علموا بها اتفقت كلمة جميع المدارس على الإضراب فى اليوم التالى وتأليف مظاهرة تضمهم جميعاً، وفى اليوم التالى 10 مارس كان جميع طلبة المدارس والأزهر قد أضربوا عن دروسهم وأعلنوا الإضراب العام وألّفوا مظاهرة كبرى انضم إليهم فيها من صادفهم من أفراد الشعب، كان هذا اليوم أول القتلى والجرحى، ذلك حينما مرَّ المتظاهرون بشارع الدواوين حضرت شرذمة من الجنود البريطانيين لحراسة دواوين الحكومة، فأطلق الجند بعض طلقات نارية على المتظاهرين أصابت بعضهم، حسب رواية «الرافعى».

وعمّا أقامه الطلبة فى المحافظات، تحدث نائب رئيس حزب الوفد عن طلاب الإسكندرية، حيث خرج طلاب المعهد الدينى هناك فى مظاهرات انضم إليهم كل طلاب المحافظة، واعتقل نحو 415 طالباً فى هذا اليوم، وامتدت المظاهرات فى اليوم الأول إلى كل من الغربية وبورسعيد والبحيرة والمنوفية، استمرت الثورة بعد الإفراج عن سعد وأصحابه وتأليف وزارة رشدى ولم تنقطع حوادثها ومظاهرها، وتعددت مظاهر الثورة فى هذه المرحلة من تاريخها من استمرار للمظاهرات وما تخللها من المصادمات بين المصريين والبريطانيين إلى استمرار إضراب الطلبة والمحامين وتعدد الاعتقالات والمحاكمات العسكرية ثم إضراب الموظفين واضطرار وزارة رشدى إلى الاستقالة ثم بقاء البلاد بلا وزارة مدة شهر من الزمن، حسب رواية الرافعى، حتى أصدر مجلس الوزراء فى 24 ديسمبر 1919 قراراً بإنذار جميع طلبة المدارس العليا وتلاميذ المدارس الأميرية والمدارس الخاضعة لتفتيش الحكومة بالحضور إلى مدارسهم فى التواريخ التى حددتها وزارة المعارف، وبأن كل من يتخلف عن إطاعة هذا الأمر ويتغيب عن مدرسته دون أن يقدم عذراً مقبولاً يحرم من الدخول فى جميع الامتحانات التى تعقد فى خلال عام 1920.

أثنى سعد زغلول على الطلبة ودورهم، حيث قال عبدالعزيز النحاس، إن الزعيم الراحل خصص للطلبة قاعة فى منزله كما خصص لهم مقعداً دائماً فى مجلس النواب، عرفاناً بنضالهم الذى استمر حتى إنهاء الحماية البريطانية على مصر فى 28 فبراير 1922.

ولم يغفل الوفدى فخرى عبدالنور فى مذكراته دور الطلبة حتى كتب فى إحدى الفقرات أنه: «من باب الذكرى والتاريخ، أذكر أن أول شهيد قُتل فى القاهرة برصاص الإنجليز فى الحركة الوطنية هو المرحوم الطالب «ماهر حافظ أمين» وكنت قد عرفت والده مأموراً لمركز الأقصر ثم مأموراً لمركز جرجا».

 


مواضيع متعلقة