عن المعانى الإيرانية وراء استقالة ظريف والعودة

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

لم يجد حسن روحانى، الرئيس الإيرانى، ما يعلق به على استقالة وزير خارجيته جواد ظريف، وسط أحداث زيارة بوزن وجود الرئيس السورى بشار الأسد، الهامة بالتأكيد، سوى أن يقول إن سوريا تقدم الشكر لوزارة الخارجية الإيرانية، على الجهد الذى بذل خلال السنوات الماضية، والمقصود منطقياً التى شغل فيها ظريف الحقيبة الوزارية، فأهمية المعنى من اتخاذ خطوة كتلك من قبل ظريف، كاد يسبقها فى لفت الانتباه، توقيت إطلاقها عبر التغريد الشخصى للوزير الإصلاحى الذى حقق خلال تلك السنوات المشار إليها، مساحة من النجومية لا يستهان بها وسط صفوف رجال السياسة الإيرانية.

التضارب والارتباك الأولى ظهر سريعاً، فيما نقلته وكالة «فارس» المقربة من التيار الأصولى بعد ساعات من إعلان الاستقالة، عندما أشارت إلى أن قرار ظريف كان انفعالياً بسبب نفسيته الحساسة، التى تدفعه لاتخاذ قرارات مندفعة أحياناً، لتعاود «فارس» بعد ساعات، وتنقل عن مصدر وصفته بالمطلع حديثه عن انعدام التنسيق الداخلى فى مؤسسة رئاسة الجمهورية، وأن عدم إعلام ظريف بزيارة الأسد كان سبباً فى استقالة وزير الخارجية، ورجحت حينها الوكالة عودة ظريف إلى الحكومة، خصوصاً أنه لم يقدم استقالته رسمياً بل عبر حسابه على موقع انستجرام، إثر ذلك انبرى سريعاً التيار الإصلاحى فى البرلمان وخارجه، ليشن حملة دفاع مكثفة عن وزير الخارجية، معتبرين أن تدخلات جهات غير مسئولة فى السياسة الخارجية، هى التى دفعت ظريف لتقديم استقالته، كما دعوا الرئيس روحانى إلى الصمود أمام الضغوط الممارسة عليه، فى طيات ذلك حمل انتقاد عدم تمتع وزير الخارجية بالاستقلالية الكافية ضمن عمله فى الوزارة، إشارة مبطنة إلى تدخلات مدير مكتب روحانى «محمود واعظى» فى شئون السياسة الخارجية منذ شهور، فضلاً عن الاحتقان المكتوم ما بين الخارجية الإيرانية و«قاسم سليمانى» القيادى البارز فى الحرس الثورى.

هذا الاحتقان تنامى مؤخراً، على خلفية تمتع الأخير بصلاحيات صارت تخصم تباعاً من قدرات الإمساك بمجمل توجهات السياسة الخارجية للدولة، هذا بدا مؤخراً منذ اندلاع أزمة الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى، وبدء فصل العقوبات الأخير الضاغط بقوة على أعصاب طهران ومفاصلها الحاكمة، ما دفع لأن يتشكل سريعاً مشهد استقطابى حاد، كان قد توارى مؤقتاً خلال العقد الماضى الذى شهد إنجاز الاتفاق، والانخراط العميق فى أحداث سوريا واليمن، كلا الجانبين ألقى باللائمة على الطرف الآخر، باعتباره مسئولاً عن الوصول إلى ما وصلت إليه إيران فى الوقت الراهن، وهو إجمالاً ليس مرضياً بالمرة لكليهما معاً، بدليل إلقاء الاتهامات وهذا وحده كاشف عن عمق الأزمة التى تمر بها الدولة، مهما حاولت رسمياً إخفاء ذلك، للحد الذى أطلق عشرات التغريدات التى نشرت لاحقاً على تقديم الاستقالة، تطالب ظريف بأن تكون عودته مشروطة، بأن يكون هو المقرر الأساسى للسياسة الخارجية الإيرانية، باعتبار أن هذا الجناح يرى أن وجود ظريف فى حد ذاته، يضفى على المنصب مكسباً وثقلاً دولياً، يراد أن يكون له ثمن داخلى فى ترتيب أوزان القرار، وألا يمنح مجاناً للطرف المقابل بصيغة الانصياع المجانى.

على جانب آخر، هناك فى الداخل الإيرانى من قرأ استقالة وزير الخارجية الإيرانى، بأنها لعبة على حافة الهاوية، فلمن لا يعلم عمق ومتانة العلاقة التى يتمتع بها ظريف مع المرشد الأعلى، قد يفسر الأمر ببساطة ومباشرة الصراع ما بين المتشددين والإصلاحيين، لكن أغوار التركيبة السياسية فى إيران تدفع ليقين أن لها العديد من المستويات الغاطسة، غير البادية للعيان، لكنها محكمة بضوابط وخيوط حريرية شديدة المتانة، منها على سبيل المثال؛ أن أربعة مناصب فى الدولة يشترط توقيع المرشد على خامنئى على من يتولاها، منها وزارة الخارجية، وهذا يستلزم موافقة الأخير على الخطوة التى أقدم عليها ظريف، ولن يقتصر الأمر على الرئيس روحانى وحده، وبالنظر إلى العلاقة الممتازة التى تحكم علاقة ظريف بالمرشد، الذى كان ينسج معه طوال سنوات كافة التطورات فى ملف الاتفاق النووى وغيره، إبان رحلة الصعود الإيرانى على أكتاف الإقليم، هذا يكشف أن خطوة ظريف قد تفسر بأنها قلب ذكى منه للمعادلة، فبقاء وزير الخارجية فى منصبه، بدعم من المرشد وبطلب من رئيس الجمهورية، سيفرض مجدداً حضوره بشكل قوى على الساحة المحلية، وقد تكون حينها حافة الهاوية، ونجحت فى تحويل نقطة الضعف التى نتجت عن الصراعات السياسية الداخلية، إلى نقطة قوة ودفع إضافى باتجاه إحكام قبضة التأثير على السياسة الخارجية، إلى ذات المنهج الذى كان يسير عليه جواد ظريف، وهذا يقلب الخطوة إلى نقطة قوة نجح الأخير فى إحرازها.

فى المقابل، الكاتبة الإيرانية «آريان طباطبائى» طرحت مؤخراً تساؤلاً فيما إذا كانت أيام ظريف قد انتهت فعلياً، بمعزل عن قبول استقالته أو رفضها، فمن وجهة نظرها يدل ما حدث على مدى الاضطرابات السياسية التى يمكن أن تشهدها إيران، فى العامين المتبقيين لحكومة روحانى، فدفاع ظريف عن انضمام بلاده إلى مجموعة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، رأى فيه الجناح المتشدد تنازلاً كبيراً للمحافظة على التعامل مع الأوروبيين، فى الوقت الذى كانوا هم الذين يوجهون نقداً كبيراً لما نتج عن الاتفاق النووى، خاصة بعد انسحاب الرئيس الأمريكى منه، هنا يبرز شبح تبخر التواصل بين إيران والدول الأوروبية، فى حال خرج ظريف من المشهد، ذلك أن هذا التواصل يعتمد فى جانب كبير منه على العلاقة الشخصية بين ظريف وعدد من المسئولين الأوروبيين. على أية حال، قد يكون الوزن النسبى الذى يتمتع به ظريف كوزير للخارجية، فى الداخل المرتبك باضطراباته، وفى الخارج الذى تضيق فيه مساحات الحركة تباعاً، أصدق ما يعبر عنه ما كتبه هنرى كسينجر، وزير الخارجية الأمريكى الشهير، فى إهداء أحد كتبه إليه «إلى عدوى الذى يستحق الاحترام، محمد جواد ظريف».