الخلافات الروسية التركية حول سوريا «3»

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

تفاهمات سوتشى وترتيبات آستانة حسمت الحرب ضد الإرهاب فى سوريا، لصالح دول المحور الثلاثى «روسيا، إيران، وتركيا».. بانتهاء الحرب، وإعلان أمريكا، الطرف الخاسر، انسحابها من الساحة، ظهرت تناقضات المصالح بين دول المحور.. روسيا ضمت تركيا للمحور لكى تحيِّد دورها، فهى تدرك أنها فتحت حدودها لعبور عشرات الآلاف من الإرهابيين، وتهريب الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وسمحت بمعسكرات تدريب، وبشراء النفط المستخرج من الآبار التى يسيطرون عليها، ما يعنى أنه بدون التنسيق معها يستحيل السيطرة على الأوضاع فى سوريا.

عندما كشف ترامب نيته الانسحاب، هدد أردوغان باجتياح المنطقة وتوعد بدفن الأكراد فى خنادقهم، جون بولتن مستشار الأمن القومى وصل تركيا للاتفاق على ضمانات سلامة الأكراد قبل الانسحاب، فرفض أردوغان مقابلته.. وفى اتصال تليفونى هلل لاقتراح ترامب إنشاء المنطقة الآمنة التى يُلِح عليها منذ 2012، ورفضها أوباما.. ثم أدرك أنه يستهدف الوقيعة بينه وبين بوتين، والإطاحة باتفاقات سوتشى، خاصة أن عبارة «سوريا كلها لك» التى رددها ترامب، حملت من السخرية أكثر مما عكسته من جد، لأنه لم يكن أبداً مهيمناً على سوريا على نحو يسمح له بتقديمها منحة لأحد.. دمشق وصفت تصريحات أردوغان بشأن المنطقة الآمنة بأنها «غير مسئولة»، وأنها ستتصدى للعدوان التركى.. والأكراد اعتبروها غزواً تركياً جديداً، وأنهم لن يقبلوا بتلك المنطقة إلا بقرار من مجلس الأمن وتحت إشراف الأمم المتحدة.

ثقة روسيا فى تركيا شبه منعدمة، نتيجة لتلقيها طعنات جارحة، أبرزها إسقاط مقاتلتها «Su-24» نوفمبر 2015، واغتيال سفيرها بأنقرة ديسمبر 2016، والأطماع التركية فى مناطق النفوذ الروسية، وتذبذب سياساتها بين موسكو وواشنطن وفقاً لمصالحها الآنية.. لكن موسكو تعتبرها، رغم كل ذلك، حليفاً استراتيجياً، لأنها تمثل رأس الحربة فى اختراقها لحلف الناتو.. وبسبب حجم التبادل التجارى الذى وصل لـ35 مليار دولار قبل إسقاط الطائرة، تراجع قليلاً، ثم عاد لينطلق.. والمشاريع الضخمة؛ تتصدرها محطة «أكويو» النووية، وخط تصدير الغاز «التيار التركى»، وشبكة الدفاع الجوى والصاروخى «S-400».. لكن تركيا لا تخفى أن التنسيق والتعاون مع روسيا فى الملفات السياسية، ينبع من التعامل مع الأمر الواقع، أو أخف الضررين، وليس من قبيل تطابق وجهات النظر حول الرؤى والحلول.

صفقة الـ«S-400» نموذج مثالى يجسد التناقضات التركية؛ أنقرة كانت فى حاجة ملحة لنظام دفاع صاروخى، لمواجهة ردود فعل موسكو المحتملة، على إسقاط الـ«Su-24».. ناشدت «الناتو» فسارع بنصب منظومة صواريخ باتريوت فى أراضيها، وبعد المصالحة التركية الروسية سحبها.. تركيا طلبت شراء المنظومة وتقنية تصنيعها، لكن أمريكا رفضت خشية وصول أسرارها لموسكو.. تعاقدت على منظومة صينية فرفضت أوروبا، تجنباً لاختراق التكنولوجيا الصينية لشبكات الناتو، فتعاقدت مع روسيا، التى احتاجت هذا النظام أساساً للدفاع فى مواجهتها، وأتاحت للتكنولوجيا الروسية التى أنشئ الناتو لحصارها فرصة اختراق أنظمته ودفاعاته.. سياسة اللامعقول.

تركيا استحضرت «اتفاق أضنة» مع سوريا 1988 الذى يمنع الأخيرة من إيواء المسلحين الأكراد، ويعطى تركيا «حق تعقبهم لـ5 كم داخل الحدود السورية»، وذلك كوسيلة لتعزيز مطلبها فى إنشاء منطقة آمنة، سوريا تمسكت به، ودعت أنقرة لتفعيل التزاماتها بموجبه، بالتوقف عن رعاية الإرهاب، وسحب قواتها من عفرين وكل المناطق التى دخلتها، وروسيا ردت بأن عمليات التعقب ينبغى ألا تؤدى لظهور كيانات إقليمية منفصلة بالمناطق الحدودية، وألا تنتهك وحدة سوريا، وأن تتم بالتنسيق مع حكومة دمشق.

اتفاق بوتين وأردوغان فى سوتشى سبتمبر 2018، أنشأ منطقة منزوعة السلاح فى إدلب، وكلف تركيا بنزع الأسلحة الثقيلة التى بحوزة الفصائل الإرهابية، ثم إخراجها، لفتح طريقى «حلب/اللاذقية»، و«حماه/حلب» اللذين يمران بالمنطقة ويعتبران شريان الحياة الاقتصادية بسوريا.. روسيا اتهمت العسكريين الأتراك بالفشل فى تنفيذ التزاماتهم بموجب الاتفاق، والتغاضى عن سيطرة حركة نور الدين زنكى التابعة للجيش السورى الحر الموالية لها على عشرات المدن والقرى بالمنطقة، ما شجع هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة سابقاً» على اجتياح المنطقة، وانتزاع السيطرة عليها، تركيا لم تتدخل، لأنها كانت تستعد للتدخل فى منبج وشرق الفرات، فور الانسحاب الأمريكى، مما أغضب بوتين، تركيا أرسلت وفداً عسكرياً رفيع المستوى لموسكو لبحث الموقف نهاية يناير، لأنها أدركت أن روسيا وإيران وسوريا يعتزمون التخلص من التنظيمات المسلحة، بما فيها الفصائل التابعة لها.

موقع «ديبكا» الاستخبارى أكد أن الوفد التركى اقترح إقامة حلف روسى تركى إيرانى لملء الفراغ، ومواجهة ما تبقى من تنظيمات إرهابية، وحاول إقناع موسكو بأهمية دخول القوات التركية إلى المناطق الكردية، ولكنها رفضت تماماً، وهددت بالرد العسكرى الفورى فى حال تنفيذ ذلك، مؤكدة أن اتفاقات سوتشى تُلزِم الجميع باحترام وحدة الأراضى السورية وسيادة الدولة عليها.. لذلك ذهب أردوغان إلى موسكو لمقابلة بوتين 23 يناير، عارضاً صفقة؛ تسيطر بمقتضاها تركيا على منطقة آمنة داخل سوريا بامتداد حدودها البرية، تقوم بتوطين التنظيمات السورية المسلحة فيها، مقابل إجراء ترتيبات تعيد معظم إدلب لسوريا، لكن بوتين رفض الاقتراح. تركيا أحسنت استغلال التطورات الميدانية، ونجحت فى احتلال عفرين وإدلب والباب وجرابلس، بالتدخل العسكرى المباشر والصفقات السياسية، وتسعى للتمدد إلى منبج والحسكة، لتحقق قفزة نوعية فى ثقلها الإقليمى، فى مواجهة كل القوى الإقليمية المنافسة، وفى نفس الوقت تقويض المخاطر التى يمثلها الوجود الكردى بسوريا على أمنها القومى.. روسيا لن تسمح بذلك، لأن تحول تركيا إلى قوة كبرى يصعِّب التعامل معها مستقبلاً، وهى تستثمر تهديداتها للأكراد فى دفعهم لإبداء مرونة تتيح إتمام المصالحة، ما يسمح للجيش الوطنى بالتمدد فى مناطقهم، والدخول كطرف فى الترتيبات المتعلقة بالمنطقة الآمنة.

تركيا تعجز عن التدخل فى منبج، لأن الشرطة العسكرية الروسية تنظم دوريات مشتركة مع مجلس منبج العسكرى، على خط التماس مع الميليشيات الموالية لها، والجيش السورى دخل «العريمة» غرب منبج بدعوة من وحدات حماية الشعب الكردية، ومباحثات المصالحة بين الأكراد والنظام تتم برعاية روسية.. موسكو تدرك عمق الصدع الذى طرأ على علاقاتها بطهران وأنقرة، ما يفسر ترتيبها لعقد قمة ثلاثية جديدة، ولكن فى غياب سوريا، المعنية بالأمر.. هكذا تتوارى المبادئ عندما تطغى المصالح.