«الشرقية»: مظاهرات من أجل «الشو الإعلامى» واستنزاف الأمن و«تخويف» المواطنين

«الشرقية»: مظاهرات من أجل «الشو الإعلامى» واستنزاف الأمن و«تخويف» المواطنين
وسط أحد أرقى أحياء مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية، حيث البنايات الشاهقة والشقق الفاخرة، التى تطل على ميدان القومية، يسود الهدوء، لا يقطعه سوى صوت السيارات العابرة فى اتجاهى الطريق، تختفى الأصوات تماماً فى الشوارع الجانبية المتفرعة من الميدان، يمر الوقت فى اليوم الأول للاستفتاء على الدستور، الأحداث ينقلها تليفزيون أحد المقاهى الشهيرة بالميدان، تظهر على شاشته لقطات فيديو تعرض الوجود الأمنى المكثف فى شوارع مدينة الزقازيق، ولقطات أخرى تظهر فيها محاولة بعض عناصر تنظيم الإخوان التجمع والتظاهر داخل قرى ومدن المحافظة، لكن تظاهراتهم سرعان ما تتحول إلى اشتباكات مع قوات الأمن، قبل أن تحسم قوات الأمن الموقف، وتطلق القنابل المسيلة للدموع، دقائق أخرى تمر، ينتقل المشهد خلالها من شاشة التلفاز إلى أرض الواقع وسط ميدان القومية. يبدأ المشهد بتوافد مجموعات من الشباب من شوارع جانبية متعددة، بعضهم يخفى وجهه خلف لثام، والبعض الآخر لا يهتم بكشف وجهه من عدمه، يحتشد أكثر من 200 شاب تتأرجح أعمارهم بين العقدين الثانى والثالث من العمر، يعلو صوت الهتاف مع الطرق على آلة تشبه الطبلة يمسكها شاب عشرينى فى يده بإحكام ليطرق عليها آخر، مع طرقاته يزداد حماس المتظاهرين، وتعلو هتافاتهم المناهضة للجيش والشرطة، على حد سواء، تتنوع ما بين «الداخلية بلطجية» و«بيقولوا عليه دستور، وهو ما حصلشى الكستور» و«دستور الدم باطل» و«بيدور على الشرعية بالبلطجية» و«يسقط حكم العسكر» و«الانقلاب هو الإرهاب».
الحشود التى تتجمع فجأة تعلن عن هويتها عبر «الكاب» الذى يرتديه بعضهم، أحدهم يحمل عبارة «شباب ضد الانقلاب»، وآخر باسم «خفافيش ضد الاستفتاء». هذه الأسماء وصفها أحد أصحاب المحال بـ«المزيفة»، مبرراً وصفه بـتأكيده: «كلهم إخوان وبيستخدموا الأسماء دى من أجل كسب التأييد».
باستخدام استراتيجيات وتكتيكات معينة يقسم المتظاهرون أنفسهم فى مجموعات مختلفة، يقدر عدد أفرادها بحسب الدور والمهام المنوط بهم القيام بها، ويحدد أدوار كل مجموعة على حدة سابقاً قبل البدء فى التظاهرة أو المسيرة أو حتى السلسلة البشرية، 30 دقيقة تتفحص فيها بنظرك إحدى مظاهرات الإخوان كافية لكشف الكيفية التى تعمل بها كل مجموعة، والهدف المطلوب منها تحقيقه، ففى بداية التجمع يبدأ عمل اللجنة الأولى، التى تعتبر الأكثر أهمية بين المجموعات الأخرى، وهى لجنة «الحماية» التى يتم اختيارها من أصحاب البنيان القوى، عددهم يحدد وفقاً للعدد المتوقع مشاركته فى المظاهرة، المهمة الأولى الموكلة إليهم، التى يمكن رصدها بمجرد وصول قوات الأمن أو حدوث اشتباكات مع معارضيهم، التصدى لقوات الأمن، أو أى شخص غريب يحاول الاقتراب من المسيرة، فأفرادها يتولون مهمة الصمود، والدخول فى اشتباكات مع الأطراف الأخرى، كما حدث فى مظاهرة ميدان القومية أمس، بإلقاء الحجارة، تتبعها الشماريخ والألعاب النارية، وأخيراً إشعال الإطارات، لكنها فشلت فى عملية الصمود أمام الوجود الأمنى القوى، والموجود بكثافة داخل مدينة الزقازيق، بينما أثناء المظاهرة يقومون برصد محاولة أى شخص غريب يحاول أن ينضم إليهم، فى حالة انضمامه لهم يقومون بإخراجه، وإذا أصر على الوجود معهم يقومون بتفتيشه بهدف الاستعلام عن هويته، خوفاً من أن يكون مندساً بينهم، ويضاف إلى المهام التى يقومون بها منع أى شخص يقوم بتصوير فعاليات المظاهرة، خوفاً من إظهار وجوه المشاركين فيها، وهو ما حدث مع أحد مراسلى الصحف الحزبية، الذى وجه له عناصر التنظيم اتهامات بأنه يتعمد إظهار وجوه المتظاهرين بتعليمات من الأمن، ولم يتركوه إلا بعد قيامه بمسح الصور.
تأتى فى المرتبة الثانية، اللجنة الإعلامية، التى تتكون من 4 أفراد، لكل واحد منهم مهمة خاصة، الأول يتولى مهمة البث المباشر باستخدام إحدى الكاميرات، بينما الثانى يتولى عملية التوثيق بالصوت والصورة باستخدام جهاز «تابلت»، وثالثهم يتولى عملية التصوير الفوتوغرافى، والأخير يعمل كمساعد فى عملية البحث المباشرة، وفى حالة إصابة من يقوم بها يقوم هو بمهمة البث للعديد من القنوات الفضائية ذات الميول الإخوانية.
بينما يقتصر عمل اللجنة الثالثة على تنظيم الفعاليات، يكون أفرادها من أعضاء «ألتراس نهضاوى»، هؤلاء يقودون المتظاهرين، يحتلون دائماً الصفوف الأولى، ويرددون الشعارات الحماسية التى يرددها خلفهم المتظاهرون.
30 دقيقة تمر على وجود المتظاهرين داخل ميدان القومية، يتخللها مناوشات مع بعض المارة الرافضين لوجودهم داخل المنطقة، أحدهم يتحدث موجهاً كلامه لهم: «هو انتو بتيجوا هنا علشان عارفين إن مفيش حد هيقدر يتصدر لكم، زى المناطق الشعبية اللى بتضربوا فيها من الأهالى هناك».
صوت مدرعات الشرطة يسبق وصولها إلى مكان التجمع، تبدأ لجنة الحماية بالاستعداد للمواجهة بإلقاء الحجارة وإطلاق الألعاب النارية، لكى يتمكن باقى المتظاهرين من الهروب، وفجأة تظهر إطارات السيارات المشتعلة، دون معرفة مصدرها، أو الكيفية التى وصلت بها إلى أيدى عناصر الجماعة المصنفة قانوناً على أنها إرهابية، ليهرول بعدها عناصر الإخوان فى الشوارع الجانبية، أمام مطاردات الشرطة لهم، تنجح أخيراً فى إلقاء القبض على أحدهم، مع حلول الليل، وتحديداً مع اقتراب عقارب الساعة من الثامنة مساءً، يكرر الإخوان نفس المظاهرة بنفس الطريقة، تنتهى أيضاً بقيام قوات الشرطة بفضها.