«ابن كثير» و«فخ التناقضات»
- أهل الكتاب
- الآيات القرآنية
- التراث الإسلامى
- سوء الفهم
- آية
- أخبار
- أشياء
- أهل الكتاب
- الآيات القرآنية
- التراث الإسلامى
- سوء الفهم
- آية
- أخبار
- أشياء
«ابن كثير» واحد من أكبر مفسِّرى القرآن والمؤرخين للإسلام، ممن تشهد كتاباتهم على حالة التناقض التى أحياناً ما تحكم رؤية بعض المؤرخين لعدد من الشخصيات المؤثرة فى تشكيل خطاب التراث الإسلامى. والمتأمل لما ذكره «ابن كثير» حول شخصية «كعب الأحبار» التى حدَّثتك عنها قبل بضعة أيام. فالتشكك فى أقوال «كعب» وأفعاله كان حاضراً بقوة عند «ابن كثير»، ورغم ذلك تتزاحم كتاباته، بلا استثناء، بالعديد من الأخبار والحكايات التى ينقلها عنه. موقف «ابن كثير» من موضوع تحريف التوراة متناقض، ففى تفسيره لآية «التحريف» تجده يشير إلى أن التحريف المقصود يعنى الغرض فى التأويل، أو سوء الفهم، والمراوغة على أوامر السماء، ولا ينص صراحة على أنه يعنى تغييراً أو تبديلاً للنص.
وفى موضع آخر من كتابه «البداية والنهاية» يقدم فهماً آخر لمعنى «التحريف» وكذا رأياً متناقضاً فى كعب الأحبار يقول فيه: «وهذه التوراة التى يبدونها ويخفون منها كثيراً فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود مَن ينقل عنهم وقد أسلم فى زمن عمر، وكان ينقل شيئاً عن أهل الكتاب، فكان عمر رضى الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفاً لقلبه، فتوسَّع كثير من الناس فى أخذ ما عنده، وبالغ أيضاً هو فى نقل تلك الأشياء التى كثير منها ما يساوى مداده، ومنها ما هو باطل لا محالة، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذى بأيدينا».
«ابن كثير» يرى أن الكثير مما يحكيه أو ينقله «كعب الأحبار» لا يساوى المداد (أى الحبر) الذى كُتب به. فما الذى دعاه إلى النقل عنه؟. إنها من جديد الرغبة الجامحة فى إثبات نبوة محمد فى التوراة، والمحاولة الدؤوبة للاستشهاد بحالة «كعب الأحبار» عند تفسير الآيات القرآنية التى تشير إلى أن أهل التوراة يعلمون نبوة محمد لكنهم يكتمون الحق، مثل قوله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ». فعل المؤرخون ذلك وكأنهم كانوا بحاجة إلى إثبات الحق الذى جاء به القرآن ونبى الإسلام، وهى مفارقة عجيبة أساسها الرغبة فى الحشو كانت توافق هوى الكثير من المؤرخين، بمن فى ذلك كبيرهم «ابن كثير»، رغم قناعتهم وقناعة «الكبير» بفساد وعبثية الكثير مما يحكيه «كعب». يقول «ابن كثير» واصفاً كعب الأحبار: «كان بصيراً بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط وتحريف وتبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد، وربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلَّمة، وفى ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة لكن لا يتفطن لها كثير من الناس».