"أسوشيتد برس": الحرب الأهلية السورية هدف جديد للجهاديين الإندونيسيين

"أسوشيتد برس": الحرب الأهلية السورية هدف جديد للجهاديين الإندونيسيين
نشأ الشاب الإندونيسي وسط أسرة متشددة وتعلم في مدرسة داخلية تشتهر بتخريج أجيال من الإرهابيين، لذا ربما لم يكن مفاجئا أنه حينما ذهب محمد فخري إحساني للدراسة في باكستان قد استسلم حتما لإغراء الجهاد. لكن الشاب البالغ من العمر واحد وعشرين عاما لم يتسلل إلى أفغانستان المجاورة أو إلى المناطق الحدودية الفوضوية، كما فعل العشرات من الأجانب الآخرين خلال السنوات الماضية، لكن تعتقد السلطات الإندونيسية أنه بعدما ذهب إلى تركيا، سافر برا مع ثلاثة طلاب إندونيسيين آخرين إلى سوريا للقتال إلى جانب مواطنيه وغيرهم من الجهاديين القادمين من كل حدب وصوب.
هذه الرحلة التي قاموا بها في أغسطس تكشف مدى عزم بعض الإندونيسيين للانضمام لما أصبح المسرح الجديد للجهاديين الدوليين، كما تشير إلى تهديد ناشئ للسلطات في هذه الدولة الواقعة بجنوب شرق آسيا، والتي نجحت في تضييق الخناق على المتشددين خلال السنوات الماضية، بما أدى إلى حرمانهم بدرجة كبيرة من إقامة صلات مع نظرائهم خارج حدود البلاد.
وبينما تشعر الأجهزة الأمنية في أوروبا وغيرها بالقلق حيال عودة المتطرفين من سوريا، فإن إندونيسيا تعرف جيدا كيف يمكن أن تؤدي ساحات المعارك الخارجية وفرص التدريب والاتصالات مع "القاعدة" إلى نتائج مميتة، ذلك أن المحاربين الإندونيسيين القدامى ضمن الجهاد في أفغانستان عادوا ليقودوا هجمات في العقد الأول من الألفية الجديدة ضد أهداف محلية وغربية على السواء، بما في ذلك التفجيرات التي هزت ملهى ليليا بمنتجع جزيرة بالي السياحية والتي أودت بحياة أكثر من مائتي شخص.
كما أن الصراع في سوريا يغذي حملة كراهية مريرة متنامية ضد الشيعة في إندونيسيا ذات الأغلبية السنية، لأنه حتى قبل سنوات قليلة مضت لم يكن يسمع عن الانقسام الطائفي، ناهيك عن الصراع، لكن يبدو أن تبعات الصراع في سوريا تفاقم من الأمر.
أنسيد مباي، رئيس هيئة مكافحة الإرهاب في إندونيسيا، قال: "علينا أن نتعلم من تجربتنا المريرة في الماضي.. أي إندونيسي انتهى به المطاف في سوريا يتوجب وضعه تحت المراقبة. علينا أن نتوقع حقيقة أنهم حينما سيعودون ستكون لديهم قدرات ومهارات جديدة في الحرب".
وفي مقابلات معهم، قدر "مباي" ومسؤولان آخران في هيئة مكافحة الإرهاب أن حوالي 50 متشددا إندونيسيا يقاتلون ضد نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، من بين أكثر من أحد عشر ألف أجنبي يعتقد بأنهم أصبحوا ضمن مقاتلي المعارضة، وأشاروا إلى أن هذا العدد ربما يتزايد. وهناك بالفعل كثيرون كانوا يعيشون أو يدرسون في الشرق الأوسط حينما ذهبوا إلى سوريا. وجاءت هذه التقديرات بناء على معلومات من قبل السلطات السورية ومن قبل تحقيقاتهم الخاصة في كل من إندونيسيا وتركيا.
يُشار إلى أن الجماعات الإنسانية الإندونيسية، التي يعمل بها متشددون أو أولئك الذين لديهم صلات معروفة بمتطرفين، تقوم بجمع أموال في جميع أنحاء إندونيسيا بقليل من الشفافية. ويسافر بعض أعضاء هذه الجماعات إلى المناطق التي تخضع لسيطرة المتشددين في سوريا من أجل تدريب المقاتلين وتوزيع مبالغ نقدية عليهم وتقديم أموال إغاثية للمدنيين والسلطات المحلية. وسافرت إحدى المنظمات ثماني مرات على الأقل إلى خط الجبهة بمنطقة اللاذقية، معقل جبهة النصرة ذات الصلة بتنظيم القاعدة.
تعد إندونيسيا أكبر بلد به مسلمون في العالم، لكن التقاليد والممارسات الإسلامية فيها تختلف بدرجة كبيرة عن مثيلاتها الشائعة في أجزاء من الشرق الأوسط ووسط آسيا. ويحظى التشدد الإسلامي في إندونيسيا بتاريخ طويل يعود إلى ميلاد الدولة عام 1945، لكنه ناضل لكسب أتباع مهمين حتى تم تسليم شعلة الجهاد عبر الأجيال.
وطالما كانت مدرسة "نغروكي" الداخلية، الواقعة بجزيرة جاوا الرئيسية، وشبكتها من المعلمين والطلاب السابقين، مركزا للنشاط المتطرف في البلاد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. وبنظرة سريعة على المشاركين في الحرب في سوريا وكذا المدافعين عنها، يتضح أن المدرسة لا تزال البؤرة الرئيسية للتطرف، الذي يعتزم على ما يبدو جعل سوريا ساحة جديدة للراغبين في المشاركة بالجهاد.
فـ"إحساني" والثلاثة إندونيسيين الآخرين الذين غادروا باكستان معه درسوا في "نغروكي"، كما أن أول إندونيسي يعلن عن مقتله في الصراع رضا فرضي، من خريجي المدرسة نفسها. وكان نبأ مقتله قد نشر على مواقع جهادية عربية على الإنترنت نهاية نوفمبر، إلى جانب صورة له التقطت بالمنطقة وهو يبتسم بصحبة مقاتلين آخرين.
بامبانغ سوكيرنو، خريج آخر في مدرسة "نغروكي" وعضو بجماعة "باعشير"، شارك في مهمة إنسانية في اللاذقية العام الماضي، وفقا لمقابلات مصورة أجراها مع قناة إسلامية بعد عودته. ونشر "سوكيرنو" السيرة الذاتية لمفجر الملهى الليلي في بالي إمام سامودرا، إذ يكتب بحب عن تجربته الجهادية في أفغانستان.
و"حي الدين"، رجل الدين وناظر مدرسة "نغروكي"، قال: "علمنا بأن بعض خريجينا يشاركون في النضال في سوريا، لكنني أؤكد مجددا أن ليس بإمكاننا مراقبة أو تتبع ما يفعله طلابنا بعد تخرجهم". وسبق أن استخدم "وحي الدين" دفاعا مشابها حينما ووجه بحقيقة أن طلابا ومعلمين سابقين أدينوا بتخطيط أو تنفيذ هجمات إرهابية داخل إندونيسيا خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.
وكان والد "إحساني"، شوليه إبراهيم، معلما في المدرسة ذاتها لسنوات، ويترأس منظمة جماعة أنصار التوحيد المتطرفة في سولو، حيث تقع المدرسة. وتروج جماعة أنصار التوحيد إلى الشريعة الإسلامية في إندونيسيا وهي مناهضة للمسيحيين وتدعم رؤية تنظيم القاعدة. وأدين ثلاثون عضوا على الأقل بالجماعة في ارتكاب اعتداءات إرهابية خلال السنوات الأربعة الماضية، كما أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية الجماعة ضمن لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية عام 2012.
أما رئيس المنظمة في عموم إندونيسيا، أبوبكر باعشير، فهو يقضي عقوبة بالسجن لمدة خمسة عشر عاما لدعمه إقامة مخيم تدريب متطرف. ومن وراء القضبان، نشر رجل الدين دعوة إلى الجهاد في سوريا قبل عام.
وقال "إبراهيم" إنه تحدث لآخر مرة مع نجله يوم الحادي والعشرين من أغسطس، ولم يشر نجله وقتها إلى أي خطط للسفر، لكنه سأل فقط عن أحوال أسرته في إندونيسيا وتحدث عن أنشطته في الكلية بإسلام آباد في باكستان، وهي مقصد شهير للإندونيسيين الساعين إلى الحصول على شهادة قليلة التكلفة في علوم الإسلام. وأضاف "إبراهيم" أنه ولا أي من أصدقاء نجله سمع عنه شيئا منذ ذلك الحين.
ورغم تأييده للجهاد، قال إبراهيم إنه قلق. وأردف قائلا: "بصراحة، أنا كأب قلق للغاية.. لكنني أثق في الله ومشيئته، ومتأكد أنه (إحساني) سيختار طريقا مباركا".
وأدت حملة مستمرة من جانب السلطات الإندونيسية منذ العام 2002 إلى تقليل خطر الإرهاب واسع النطاق ضد أهداف غربية أو مدنية في إندونيسيا وغيرها من دول المنطقة، لكن مجموعات صغيرة من المتشددين استمرت في التآمر والتدريب وشن هجمات، معظمها ضد أهداف شرطية، في جميع أنحاء البلاد البالغ تعدادها 240 مليون نسمة.
وتمثل سوريا فرصة نادرة للتدريب للجيل الجديد من المتطرفين الإندونيسيين. ويأتي معظم المقاتلين الأجانب في سوريا من منطقة الشرق الأوسط، بينما تتراوح أعداد المقاتلين القادمين من غرب أوروبا ما بين 396 و1937، وفقا لدراسة صدرت مؤخرا عن المركز الدولي لدراسات التطرف.
ولا يعرف بالضبط أين ومع من يقاتل الإندونيسيون، لكن وفقا للمركز، يقاتل معظم الأجانب في صفوف جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية في العراق، وكلتيهما ذات صلة وثيقة بتنظيم القاعدة.
سيدني جونز، مدير معهد تحليل سياسات الصراع، قال: "أي شخص سيعود من سوريا ستكون لدية مصداقية وأهلية فورية في الحركة الجهادية.. وربما هناك أشخاص يعودون ويمكنهم تولي أي من الجماعات المتطرفة الضعيفة وغير المتبلورة لقيادة عملية تنظيمها".
وبينما يلقي التطرف الإندونيسي بظلاله على سوريا، فمن الواضح أيضا أن التيار الرئيسي للمسلمين الإندونيسيين لا يفضل المشاركة في هذه القضية لأن ذلك يعني أن عليهم قبول الرؤية الطائفية التي تمثل محور الصراع في سوريا، لكنها لا تزال غير شائعة أو مقبولة في إندونيسيا.
ولم يحضر سوى 20 شخصا تقريبا اجتماعا عقد مؤخرا في مسجد بغرب جاكرتا نظمه متشددون عادوا للتو من مهمة إنسانية في سوريا. وحينما تساءل صحفي قائلا: "لماذا يتوجب على الإندونيسيين المشاركة في حرب أهلية في بلد مسلم، في حين أن هناك قضايا أخرى، مثل فلسطين، لا تزال ملحة"، رد الحضور بقليل من التصفيق.
جوسريزال جورناليس، الطبيب الذي قاد بعثات إنسانية لمساعدة المسلمين في أفغانستان ولبنان وأماكن أخرى، أثار غضب الكثير من أتباعه الإسلاميين في إندونيسيا حينما رفض الذهاب إلى سوريا أو دعم القضية. ويقول إن الذين يلتفون حول سوريا، هم "أولئك المقربون من القاعدة فقط". وأضاف: "إنها حرب طائفية. ليس من الواضح بالنسبة لي لماذا يتوجب علينا المساعدة في قتل مسلمين آخرين".