هل يكره «ترامب» الإعلام؟

فى الشهر الماضى، وقعت حادثة لافتة فى المجال الإعلامى الأمريكى، حينما طرد الرئيس دونالد ترامب مذيع شبكة «سى إن إن» جيم أكوستا، من مؤتمر صحفى فى البيت الأبيض، بعد مشادة بينهما، وهو الطرد الذى أبطله قرار قضائى صدر لاحقاً، بتمكين «أكوستا» من دخول البيت الأبيض وممارسة عمله، «تفعيلاً لمبدأ حرية الرأى والتعبير، المنصوص عليه فى التعديل الأول من الدستور الأمريكى».

ليست هذه الحادثة مصادمة فريدة بين «ترامب» و«سى إن إن»، وغيرها من وسائل الإعلام الليبرالية، لكنها ممارسة باتت معتادة ضمن حالة العداء التى تتفاقم يوماً بعد يوم بين الرئيس المقبل من خارج المؤسسة السياسية التقليدية وبين أضخم النظم الإعلامية السائدة فى العالم الغربى وأكثرها نفاذاً.

يمكن القول إن «ترامب» يكتب تاريخاً جديداً للإعلام الأمريكى، ويعيد صياغة نطاق تأثيره، وحدود نفوذه، بعدما استقر فى أدبيات البحوث الإعلامية أن تلك المنظومة الإعلامية، التى ملأت الدنيا وشغلت الناس، تمتلك طاقة تأثير لا يمكن مقاومتها.

فى شهر أكتوبر من العام 2017، غرد الرئيس ترامب قائلاً: «ربما لم أكن لأصل إلى البيت الأبيض لولا (تويتر)»، قبل أن يصف مواقع التواصل الاجتماعى بأنها «منصة هائلة»، وهو الأمر الذى انعكس فى تكثيف استخدام الرئيس لها، وجعله يعتمد عليها بأكثر مما يعتمد على المجال الإعلامى التقليدى كما فعل أسلافه.

بتلك الطريقة يعيد ترامب تشكيل آليات التواصل الرئاسى، بحيث تصبح مستندة بشكل جوهرى على مواقع التواصل الاجتماعى، وهو أمر قد يفيد الرئيس فى تجنب الأنشطة المعادية والمعالجات غير الإيجابية لأنشطته وسياساته فى بيوت الإعلام التقليدية الكبرى، لكنه فى الوقت نفسه يسهل إصدار الرسائل الحادة والقصيرة وغير المدروسة فى كثير من الأحيان، مما يفتح الباب أمام المزيد من المصاعب والمشكلات للبيت الأبيض.

يتفق كثير من الساسة والباحثين الأمريكيين على أن توجهات الرئيس ترامب التى تتسم بالحدة فى بعض الأحيان تكرس حالة من الاستقطاب، وتُفاقم العدوانية فى الخطاب السياسى والإعلامى، بينما يذهب آخرون إلى أن عداء الإعلام التقليدى الأمريكى المؤثر لـ«ترامب» يمثل دليلاً على عدم حيادية هذا الإعلام وخضوعه للتأثير الليبرالى والديمقراطى.

فى شهر ديسمبر من العام 2017، جدد الرئيس الأمريكى هجومه على صحيفة «نيويورك تايمز»، عقب تقرير نشرته الصحيفة عن يومياته فى البيت الأبيض، أكدت خلاله أنه يشاهد التليفزيون يومياً من 4 إلى 8 ساعات.

وعلى الفور رد الرئيس فى تغريدة عبر حسابه على موقع «تويتر»، قائلاً: «تقرير خاطئ آخر، هذه المرة فى (نيويورك تايمز) الفاشلة، بأننى أشاهد التليفزيون من 4 إلى 8 ساعات يومياً».

لا يمكن تصور حالة رئيس أقوى دولة فى العالم وهو منشغل إلى هذا الحد بمتابعة تقارير بعض الصحف، مجتهداً فى إيجاد الوقت والفرص اللازمة للرد على ما تنشره، وتوبيخها، وتوجيه الإهانات الحادة لها.

يهاجم البيت الأبيض الإعلام الأمريكى بكل شراسة، ويرى فيه «عدم الحياد والموضوعية، وعدم المسئولية تجاه الوطن، وعدم التعامل مع منصب الرئيس بالاحترام الواجب»، لكن هناك فى الإعلام الأمريكى من يقول إن ترامب هو الذى تسبب بهذه الحالة، من خلال سلوكه «الحاد والعدوانى وسقطاته وأفعاله غير المدروسة».

ليس هذا فقط، لكن ترامب أيضاً ذهب فى عدائه لوسائل الإعلام الرئيسية فى بلاده إلى اتهامها بالإضرار بالمصلحة الوطنية، حين تحدث إلى بعض المسئولين العسكريين قائلاً: «الصحافة غير النزيهة للغاية فى أمريكا لا تريد أن تنقل فى تقاريرها الأعمال الإرهابية».

بالنسبة إلى هؤلاء الذين عولوا كثيراً على نفوذ الإعلام الأمريكى وقدرته على التحكم فى مسار الرؤساء والقادة السياسيين والعسكريين، فقد بات لزاماً عليهم أن يعيدوا مراجعة بعض قناعاتهم، إثر قدرة ترامب على تحدى مراكز الإعلام القوية والنافذة فى بلاده، بل والعالم أجمع، من دون أن يتأثر نفوذه ويفقد فعالية سلطاته.

من تابع عن قرب الهجمات الإعلامية التى تم شنها على ترامب عشية إعلانه ترشحه للرئاسة قبل نحو ثلاثة أعوام، وهى هجمات استمرت وزادت وتيرتها مع وصوله إلى البيت الأبيض، وممارسة سلطاته كرئيس للولايات المتحدة، يكاد لا يصدق أن هذا الرجل صمد فى موقعه إلى يومنا هذا.

ورغم هذا الهجوم الحاد والمتواصل، لا تظهر شكوك وجيهة فى قدرة ترامب على تكملة ولايته الدستورية، بل لا يستبعد بعض المتخصصين أن يترشح مجدداً لولاية جديدة بحظوظ يمكن أن تقوده إلى معركة غير محسومة النتائج، أياً كان اسم المرشح المنافس له.

من ناحية أخرى، ما زالت استطلاعات الرأى تُظهر تراجعاً فى شعبية ترامب، لكن هذا التراجع يبقى مشابهاً لما يحدث لأى رئيس فى دولة ديمقراطية أمضى نصف ولايته الدستورية فى الحكم، كما أن المعدلات التى يحظى بها ترامب تُظهر فى الوقت ذاته أن له سنداً وشعبية بين أوساط الجمهور، خصوصاً فى الوسط والغرب والجنوب، وبين البيض، والفئات المحافظة.

ورغم أن حالة العداء بين الرئيس والإعلام يمكن أن تفاقم التوتر فى السياسة والمجتمع، ويمكن أن تضغط على الحالة الديمقراطية، ويمكن أن تخصم من رصيد الرئيس وتشوه صورته، فإن ترامب لا يبدو عازماً على التراجع عن مواقفه، أو إظهار أى مرونة أو رغبة فى الفوز بتأييد الإعلام التقليدى.

لا يمكن توقع أى تحسن فى علاقة الرئيس ترامب بالمجال الإعلامى التقليدى فى بلاده، والأخطر من ذلك أنه بدأ أيضاً فى توجيه انتقادات لمنصات الإعلام الجديد.

والواقع أن عداء ترامب ليس مع الإعلام، ولكنه عداء مع صورته التى يراها فيه على غير ما يحب أن تكون عليه، والدليل الدامغ على ذلك أنه ما زال يحب «فوكس» ويمتدحها، ويستشهد بها، ويعتبرها مصدراً للثقة والأخبار الصحيحة، لمجرد أن تلك المحطة اليمينية تفرط فى تأييده، وتتغاضى عن سقطاته.

والحل يكمن بالطبع، من وجهة نظر ترامب، فى أن يتحول أداء معظم المنظومة الإعلامية الأمريكية إلى أداء يشابه ما يصدر عن «فوكس»، وهو أمر لن يحدث أبداً.