أمريكا - أوروبا: أصدقاء بطعم الأعداء

الدرس الأول فى العلاقات الدولية هو أنه لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وحدها المصالح هى الدائمة، والحق أننا لو بحثنا عن الصداقة كمفهوم وكعلاقة بين أمريكا وأوروبا لما وجدناها، فالصداقة بينهما هى صداقة محسوبة، وذلك العداوة، أما المصالح فتكاد تكون متضاربة، فما تريده أمريكا لا تريده أوروبا وقد تعارضه، لكن يتظاهر الطرفان بأن صداقة من نوع ما تُغلف علاقتهما.

والحقُ أن حلف الناتو قديماً كان أحد الأسباب الجوهرية التى أدت إلى هذا التباعد، فلقد انسحب الرئيس الفرنسى شارل ديجول من هذا الحلف لأن أمريكا كانت ولا تزال تعتبره الذراع الحديدية الخاصة بها، فالجنود قد يكونون أوروبيين لكن صف الضباط والضباط والقادة يجب أن يكونوا أمريكيين، وهو ما جعل شارل ديجول يعترض عندما طلب المساواة بين القوات الأمريكية والقوات الأوروبية، ولما استحكم الخلاف مع أمريكا حول هذه النقطة اضطر أن يعلن انسحابه من حلف الناتو، وظلت فى القلوب نقاطُ سوداء ولم يغفر الفرنسيون هذا الأمر لأمريكا، ولا شك أن التلميذ النجيب الأول لشارل ديجول هو جاك شيراك الذى ظل وفياً لمبادئ الديجوليين وبقى بعيداً عن سطوة أمريكا داخل حلف الناتو، لكن فى زمن نيكولا ساركوزى عادت فرنسا عضواً فى الحلف وكان ذلك إيذاناً بقطع العلاقة مع ديجول والديجوليين، لكن عودة فرنسا لم تحدث أى تغيير فى الخريطة الداخلية لحلف الناتو الذى تمسكت به أمريكا كقوة دفاع خاصة بها، وظل جنود أوروبا فى مستوى أدنى من قادة الحلف الأمريكيين.

أقول إن هذا الجرح ظل دفيناً فى قلب أوروبا وقد عبر عن نفسه فى تصريح خاص بالرئيس ماكرون الذى تحدث فيه عن جيش أوروبا المتحد فى مواجهة أمريكا، وكان هذا سبباً فى رغبة فرنسا فى الانسلاخ من المظلة الدفاعية لأمريكا، والحق إن هذه التصريحات الفرنسية جاءت رداً على تصريحات الرئيس الأمريكى ترامب التى قال فيها موجهاً حديثه إلى دول الخليج العربى إنه لن يستمر فى الدفاع عنهم وحفظ عروشهم السياسية ما لم يدفعوا ثمناً لذلك.

ويبدو أن ترامب يريد أن يعمم هذا المبدأ على دول أوروبا، لذلك أكد ماكرون أنه لن يدخل فى مواجهة عسكرية مع ترامب فأمريكا ستظل حليفاً قوياً لأوروبا، لكنه يرفض فى الوقت ذاته أن يظل تحت الوصاية الأمريكية.

صحيح أن هناك دولاً أوروبية تحفظت على تصريحات ماكرون وعبرت عن رفضها شكلاً وموضوعاً لفرنسا، لكن سيظل قلب فرنسا عامراً بالعداء لأمريكا التى لا تريد أن تفسح مجالاً لأوروبا فى إدارة العالم.

والحق إن أوروبا قد كشفت عن وجهها ستار الصداقة المزعومة مع أمريكا واعترضت فى اتحادها الأوروبى على قرار ترامب الذى يعتبر فيه أن القدس كلها شرقية وغربية عاصمة لإسرائيل، ضارباً عُرض الحائط بالمرجعيات الدولية فى الأمم المتحدة التى تتحدث عن دولتين وعاصمتين، كما رفضت أوروبا الانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى الغربى وظلت متمسكة به وزار عدد من مسئوليها طهران، واعترضت أوروبا أيضاً على فرض المجموعة الثالثة من العقوبات الاقتصادية على طهران، واعترضت أن هذا القرار لا يتماشى مع القوانين الدولية، وذهب بعض المحللين الأوروبيين إلى أن قرارات أمريكا صدرت من جانب واحد ولا تٌلزم إلا ذاتها.

أياً كان الأمر فكرة ماكرون الخاصة بجيش أوروبى متحد لا تزال قائمة، وهى تعنى ضمن ما تعنى رفض القارة العجوز للوصاية الأمريكية، فأوروبا كما يقول ماكرون قادرة على حماية نفسها.

باختصار الصداقة التى بين أوروبا وأمريكا هى صداقة ورقية أو بالأحرى صداقة بطعم الأعداء، فأوروبا تشعر بالتهميش وأمريكا تريد أن تحكم العالم وحدها بلا منازع.

وأخيراً فلا صداقة أوروبية مع أمريكا ولا عداوة ناهيك عن أن المصالح متضاربة.