الدستور.. هل يتفق مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان؟

بإمكان كل فرد أن يجد فى الدستور نصوصاً لا يرضى عنها، حتى أعضاء لجنة الخمسين أنفسهم، فأغلبهم يقول إنه راضٍ عن الدستور بنسبة 80 أو 90 فى المائة. وهذا طبيعى؛ لأن الدستور لم يكتبه شخص واحد، والمسألة فى النهاية هى الحد الأدنى من الاتفاق والتوافق، وهكذا كل من يستخدمون عقولهم ويتمتعون بشخصية حرة مستقلة. أما حالة الرضا الكامل فلن تجدها إلا فى حالتين؛ الأولى: فى الجنة إن شاء الله، والثانية: مع قطيع الحيوانات الذى تتحول فيه الأفراد إلى نسخ متطابقة تُساق! إن الدستور الجديد به كثير من النقاط التى تجعله كافياً للحيلولة دون الدخول فى حالة سوريا، ففيه يستعيد الوعى المصرى فى كثير من مواده المبادئ الجوهرية التى تشكل هويته وتوجهاته المشتركة، تلك المبادئ التى تشكل المقومات الأساسية للمجتمع، وترسم ملامح الدولة، وتحكم العمل السياسى، على أساس القيم البديهية للحد الأدنى للشراكة، من أجل تأسيس إرادة عامة جمعية تكون لها السيادة فى حكم مصر. وتتضمن مواد الدستور فكرة «الحقوق» فى شكلها الأكثر اكتمالاً فى الفلسفة السياسية المعاصرة، باعتبارها حقوقاً يتمتع فيها المواطن بالعضوية كاملة الأهلية على نحو يتساوى فيه مع الآخرين الذين يعيشون فى الوطن نفسه مساواة كاملة، وأمام القانون، دون تمييز بينهم على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الفكر أو الموقف المالى أو الانتماء السياسى أو الجنس. وأجد مواده تشمل حقوق المواطنة عند «توماس همفرى مارشال» Thomas Humphrey Marshall فى كتابه (Class Citizenship and Social Development)، التى تتضمن الحقوق السياسية التى تصنع المواطنة السياسية، مثل حق الوصول إلى المناصب السياسية وتكافؤ الفرص. كما تتحقق فيه الحقوق الاجتماعية، مثل حق الحياة الكريمة وحق التعليم والرعاية الطبية وغيرها. وأيضاً الحقوق المدنية، مثل الحقوق الشخصية وحق الملكية وحق الحياة والكرامة والحرية الفردية. وغيرها من الحقوق التى لا تتعارض مع ثوابتنا فى «الإعلان العالمى لحقوق الإنسان». وهذه أول مرة فى الدساتير المصرية يتم النص على «الاتساق مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى شاركنا فى صياغته ووافقنا عليه»، وقد تأكدت من هذا المعنى من الفقيه الدستورى أ. د. جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة؛ حيث أجابنى: «نعم هذه أول مرة فى التاريخ الدستورى المصرى، ولكن مقيدة بضرورة تصديق مصر عليها أساساً حتى لا تتعارض مع ثوابتنا». ولا شك أنه يوجد توتر بين حقوق المواطنة الثلاثة وآليات عمل السوق الرأسمالية، من حيث إن هذه الأخيرة تؤدى إلى درجة ما من اللامساواة الاجتماعية، أما المواطنة فتعمل على إعادة توزيع الموارد وتأكيد تساوى الجميع فى الحقوق. وهذا ما تحقق فى الدستور عبر العديد من المواد، لعل من أهمها مواد الصحة والتعليم والضمان الاجتماعى، فضلاً عن تلك المادة المستحدثة التى نصت على ضرورة أن يراعى فى فرض الضرائب أن تكون متعددة المصادر، وتكون الضرائب على دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح وفقاً لقدراتهم التكليفية. وفى هذا الدستور انتهت عصور السادة والعبيد، وتقسيم الناس إلى راعٍ ورعايا، ولذا غاب من الدستور الجديد ما قد يشير إلى مفهوم الرعايا؛ حيث النص على أن «الشعب المصرى، السيد فى الوطن السيد»، فمفهوم الرعايا يشير إلى أعضاء دولة ليس لهم «ذات حقوقية مستقلة»، فالذات الحقوقية المستقلة الوحيدة هى شخص الحاكم المتمتع بكل الامتيازات، فهو صاحب السلطان وحده، ولا يملك أحد أن يراجعه، فعلاقته بهم هى علاقة الراعى بقطيعه، وهو يستمد هذا السلطان بالغلبة، بفعل النسب أو العصبية أو القوة، أو ربما بالشرعية الإلهية، ومن ثم فمفهوم الرعايا مخالف لمفهوم المواطن بوصفه ذاتاً حقوقية مستقلة. فمع دستور 2013 وصل المواطن المصرى إلى درجة العضوية الكاملة فى الدولة؛ لأن الدستور كُتب كعقد بين أناس أحرار على الدرجة نفسها من الحقوق والواجبات، واعتبر المواطنة أساس التضامن القومى، كما نجد مثلا عند «تالكوت بارسونز»، المتأثر بالنموذج الأمريكى، الذى قام تصوره للدولة القومية الحديثة على أساس المواطنة، فالمواطنة عنده هى أساس الولاء والانتماء إلى الأمة القومية. لكن هل هذا الدستور وحده سينقلنا إلى حياة جديدة؟ فى يقينى أن نصوص الدستور لا تكفى؛ إذ لا بد من عدم الالتفاف وسوء التأويل، وهذا دور القوانين التى أحال إليها الدستور، حتى لا تأخذ بالشمال ما أعطاه الدستور باليمين. كما لا بد من التنفيذ والالتزام بالتطبيق، ليس فقط من السلطات الثلاث بل أيضاً من عموم المواطنين. فنحن لدينا القرآن الكريم كنص مثالى نؤمن به، لكن المشكلة دوماً تأتى من سوء تفسير بعض البشر له، ومن الخلل فى إنزال النص على الوقائع، كما تأتى من المخادعة فى تطبيق تعاليمه نتيجة لتضارب المصالح، ولذا صار لدينا مسلمون ليسوا على مستوى الإسلام. ومن هنا، لا مناص من أن تنهض القوى السياسية مع الشعب لتشكيل نموذج مصرى جديد على أرض الواقع، وليس على الورق فقط، نموذج يقوم على الممارسة السياسية الديمقراطية، والحكم الرشيد، والمواطنة المسئولة، والفصل بين السلطات، وتأسيس دولة العلم والقانون، مع قبول الأفراد بالالتزام السياسى تجاه المجتمع على أساس المصلحة المتبادلة والمنطق، وإدراك مزايا مجتمع تكون لأفراده حقوق وواجبات متكافئة، وتأكيد حرية التفكير فى قضايا مصر المعاصرة، وما تطرحه من رهانات على المستقبل.