د. إبراهيم بدران يقف أمام مكتبته قائلاً: «تعالى هكلمك عن مصر»

كتب: ماهر أبوعقيل

د. إبراهيم بدران يقف أمام مكتبته قائلاً: «تعالى هكلمك عن مصر»

د. إبراهيم بدران يقف أمام مكتبته قائلاً: «تعالى هكلمك عن مصر»

لم يفارق مشرط الجراح يده، «الجراح المصرى» لم يمنعه تقدم السن من التمتع بحياته العملية، فالمشرط -كما يقول- لم ولن ولا يفارق يده طالما بداخله النفس وهناك مريض بحاجة إليه.[Image_2] الدكتور إبراهيم جميل بدران، وزير الصحة الأسبق، وجه لم تشاهده العيون منذ كثير، لأنه اختار الابتعاد عن المناخ السياسى طواعية، ويبقى كامناً فى مستشفاه المتواضع، طريقة كلامه وتفاعلاته مع ذكرياته تصدق قوله «مصر دى أنا باعشقها»، كبير الجراحين يرى نفسه رجل كل العصور والمواقع، فهو طبيب وعسكرى ورجل دولة أيضاً، ظل مرابضاً على الجبهة منذ حرب 1948 حتى نكسة 1967، ترك سلاحه النارى ليتقلد هموم الوطن فى مواقعه القيادية التى شغلها وحتى اعتزاله العمل العام منذ ثلاثين عاماً، «هفضل شايل هموم بلدى لحد ما أموت». مظهره أنيق دائماً.. تفاصيل حياته بسيطة، بحيوية شاب فى العشرينات، يدخل «بدران» يومياً مستشفاه بمعاونة نجله «أحمد»، وريثه بالتخصص، يجلس فى غرفة متواضعة.. تخلو من كل أشكال التطور والحداثة اللهم إلا جهاز تكييف قديم، تمتلئ غرفته الضيقة بالمراجع والكتب الطبية والسياسية. «تعالى هكلمك عن مصر» قالها قبل الجلوس على كرسيه، قاطعته: أحب أعرف قصة الصورتين اللى فى المكتبة بتاعتك؟، وقف بجوار الصور مجيباً: واحدة لأحد أولادى الأعزاء أستاذ كبد بجامعة عين شمس، وكنت مدعواً على مؤتمر.. وبعدين لقيته جايبلى الصور دى، أما الصورة التانية بتاعة الشهيد الصاغ محمد سالم عبدالسلام، كان معانا فى حرب فلسطين سنة 1948، فى يوم كان بيفطر معانا على الجبهة.. وراح معركة «عسلوج» وعاد مصاباً بدفعة رصاص فى بطنه، الجراح أجرى له عملية ولكن ربنا لم يكتب له الحياة، وكان عزيزاً علينا جداً، فاتت الأيام.. وبعد حوالى 40 سنة، سألونى فى لقاء تليفزيونى عن ذكرياتى عن حرب فلسطين، قلت لهم العسكرى الذى يقضى واجبه الوطنى المتمثل فى الموت، وذكرت الشهيد عبدالسلام، فسمع الحوار شقيقه وكان لواء بالجيش، فأهدانى هذه الصورة فوضعتها هنا، لأتذكر أغلى أيام حياتى اللى عشتها وسط الضباط والعساكر. فى الزمان البعيد، كان التحاق بدران بكلية الطب مصادفة ونزولاً على رغبة والده -ضابط البوليس- بعدما نشأ الابن فى خدمة والده إثر إصابته بالشلل، هو آخر العنقود بين 12 شقيقاً، توفى منهم 6، أما قصة مرض والده فكانت نتيجة لتأثره بوفاة اثنين من أصدقائه فى يوم واحد «بولس باشا حنا، ومحمود باشا حافظ رمضان»، دفنهما وعاد يبكى.. فنام واستيقظ مشلولاً. لديه حساسية مرهفة تجاه مرضاه «أنا بأموت مع المريض.. والله ما مريض مات إلا ومت معاه، وكثير من أهاليهم يأتون ليشكرونى على الجهد الذى بذلته، لأنى كعبد غير قادر.. فالقادر هو اللى فوق، وأنا أؤدى ما تعلمته منه فقط». يشرد هنيهة ثم يعود منتشياً وكأنما تذكر شيئاً مهماً «من زمان وأنا مشغول، لأنى عاصرت خمس حقب.. الملك فؤاد والملك فاروق والرئيس عبدالناصر وأنور السادات، وربنا يخفف عنه (مبارك)، أنا اشتغلت مع عبدالناصر والسادات، وكنت عضو المكتب السياسى بتاعهم.. وعمرى ما دخلت حزب، ليه اختارونى! الله أعلم». يشفق بدران على مبارك من المرض والسن، يقول إنه لم يكن سيئاً فى بداية حياته، وما أضاعه هم المحيطون به وأساءوا إليه.. لكن للأسف لم يكتشف ذلك إلا بعد الهدم وفوات الأوان، «مبارك ابتدى كما يتمنى أى شخص منا أن يبدأ لو كان مكانه». وزير حقبة السادات، له رأى مختلف فى الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسى، يكشف عنه قائلاً «الإخوان المسلمون بداخلهم جرح، قعدوا تحت الأرض 80 سنة، ومنهم من عومل بمنتهى القسوة، ومنهم من ظل وما زال تحت الأرض، ومنهم من قتل وهى غلطتهم التاريخية، منذ عام 1978 حتى 1998 كانوا قتلة، بعدها ربنا هداهم، وخرجت كتب منهم تحرم وتجرم القتل، وهذه مكرمة من الله». أيام اختفائه كانت فى عصر «مبارك»، الدكتور بدران يروى تجربته معه قائلاً: أنا اتكلمت معاه مرتين، ذهبت له وأنا رئيس أكاديمية لأدعوة لحضور مجلس أكاديمية البحث العلمى، وهى أعلى قمة للبحث العلمى، وكنت جايب له أجاويد مصر فى جميع التخصصات، قابل المجلس الأكاديمية عشان خاطرى، وقال لى «أنا مش باحب مراكز القوى»، قلت له «لو ده مركز قوة يبقى مصر كلها بقت مركز قوة وسيادتك على قمته»، لأن البحث العلمى هو مصر، وكنت معتقد إن ربنا يقدرنى وأخليه يحب البحث العلمى، لأنى لفيت وشفت العالم. يصف بدران نفسه بأنه رجل ينتمى للزمن القديم، ضاحكاً يقول «أستغفر الله العظيم.. أنا من العهد البائد.. من «السلول» قصدى الفلول كما يقولونها، أنا راجل مؤمن بأن الشعب المصرى بمختلف دياناته مؤمن وبخير.. ونقطة من أول السطر». يهتم بالعناية بمظهره، ولهذا قصة: فى بداية حياتى الطبية استدعى أساتذتى فى كلية الطب، الدكتور عبدالوهاب باشا مور والدكتور عبدالله بك الكاتب والدكتور شفيق بك شلبى أحد المتخصصين من إنجلترا ليحاضرنا حول اكتشاف غدة جديدة، وكنا حينها فى «عمليات» قصر العينى القديم، وبعد انتهاء المحاضرة ارتديت البالطو واتجهت إلى غرفة العمليات، فوجدت أساتذتى يرفعونى من كتفى ويقولون «يا أفندى اللى بيبنى مستقبل ما يمشيش من غير كرافتة». وكانوا بالطبع يقصدون البدلة، ومن يومها لم أخلع البدلة والكرافتة أبداً. من البدلة عاد «بدران» متحدثاً عن تفاصيل حياته، فهو يفضل ارتداء البدل «التفصيل»، موضحاً: كنت أعمل البدل تفصيل عند ترزى كويس فى وسط البلد اسمه سعيد كامل رحمه الله»، وعند سؤاله عن أى الألوان يفضل؟ كانت المفاجأة فى جوابه، صمت قليلاً وقال باكياً بعفوية: الأخضر عشان مصر.. مصر خضرة، وأغنية «مصر فيها حاجة حلوة»، وللأسف دلوقتى مبقاش فيها، بردو مصر تبقى كده.. ميدان التحرير يبقى كده. «بدران» يفسر سبب بكائه: «مش أنا بس اللى بابكى على مصر.. نص الناس بتبكى بس جوه، والولاد دول -قاصداً الثوار- ابتدوا حاجة اتمنينا أنها كويسة، وللأسف الشديد مش عارفين نهايتها إيه.. يارب تكون كويسة، وفى قناعتى كنت متصور أن الحكام هيكونوا أحسن من كده ولم أفقد الأمل برضه».. «الرجل الثمانينى» لا ينسجم مع كاميرا التصوير، لكنه عاد إلى الضحكة مرة ثانية، بمناسبة عدم حيازته ثلاجة فى المكتب، قال ضاحكاً: أنا متخلف والحمد لله، يادوب التليفون المحمول بأفك فيه الخط وخلاص، والعالم الافتراضى بعيد عن وزير الصحة تماماً، عن الفيس بوك وتويتر يعلق «بدران» مازحاً: لا أنا معنديش غير عنوان بس.. لكن الحساب يوم الحساب. متحدثاً عن القيم الثقافية والمجتمعية فى الشارع المصرى، تحصر «بدران» على التجاوز فى حق القوات المسلحة قائلاً: «الجيش أُهين كما لم يهن جيش فى الكرة الأرضية، هى دى مصر؟! قناعتى تقول إن هناك أجيالاً خرجت عن التربية»، مبرئاً المستشفيات ووزارة الصحة من الانتهاكات الكثيرة فى حق الأطباء، بحجة أن «الإمكانيات على قد القد»، يقول: لا أستطيع لوم الصحة، وبالعكس أنا فخور بها جداً.. لأن متوسط عمر الإنسان المصرى فى عام 1930 كان 28 سنة، دلوقتى الراجل 70 والست 73 سنة.. يبقى مين عمل ده.. النحاس باشا أم الأطباء؟ دموعه تلازم أوجاعه عن مصر، فى نهاية الحديث، ذكر واقعة آلمت قلبه، وجعلته يختم حديثه مجهشاً بالبكاء، قال فيها: «أنا مرة كنت فى عرفات.. وسمعت سيدة مصرية أصيلة تتحدث لربنا قائلة «يا رب اجعل عمرى على قد صحتى عشان ما اشحتش».. بردو هى دى مصر.. أمنية شعبها أن يموت قبل أن يمرض!!