هل سقط البابا تواضروس؟!

جرجس فكري

جرجس فكري

كاتب صحفي

ولكنها لم تكرهه.. لا تستطيع.. وأمام صورته سألته لماذا قتلته؟ يقولون انتقامًا لكنهم لا يعلمون أنه انتقم منها.. جعلها طريدة لنظرات تجلد، وحول جدران غرفتها تختبئ لا رفيق في محبسها سوى دموعها، راقدة على فراشها لا تحتمل ألسنة تصبِّرها ونظرات كأنها أسهم تسيل دمها.. لا تحتمل كلمات تناقضها همسات ولمزات.. من أم الرهبان إلى أم الراهب القاتل.. كل شيء راح في ليلة عابرة.

حتى ذكرياتها تحولت لجحيم، يوم أتاها يخبرها باشتياقه للرهبنة ولجوئه إلى دير يحتضنه وشقيقه معه، تحملت طمعا في فردوس يجمعهم، لكن الأقدار شاءت ما لا تشاءه.. فالإعدام ينتظر ابنها، لكنه لم ينتظرها، فماتت وهي على قيد الحياة، أعدمتها مشانق مجتمعها.

اتصال جاءها خاليا من الزيف والدينونة.. اتصال الأب والابن معًا.. إنه البطريرك رأس الكنيسة يهاتفها، نسى أنه الأب، وأمام دموعها أصبح ابنها.. يطمئن أما على ابنه.. هذه هي الكنيسة، وهذا هو تاجها.. وعدها بأن توبة ابنها قادمة، وأن المصائر لا تُسدل إلا بالخواتيم.. اتصال أعاد الحياة لأم تدفع ثمن جريمة ابنها.

لم تأسره بيانات الهجوم عليه، ولم تستنزفه مشاعر الانتقام من قاتل صديقه الأسقف، لكنه قرر مثلما فعل سيده أن يجول ويصنع خيرًا.. فاطمئن على أسر الرهبان المتهمين.. إنه وعظ عن المحبة دون كلمات.

راهنوا أن الأزمة نهايته، لكنه راهن على المحبة، فكانت الأزمة بدايته، ليثبت أنه بطريرك قادر على إدارة أشرس أزمة واجهت الكنيسة.

هذه قصة بطريرك.. قد أكون جانيًا إن وصفته بأنه مثل سالفه.. وأكون ظالمًا إن رميته بأنه أقل ممن خلفه.. فبعد أيام من جلوسه على الكرسي لم تنظره أحكام الفشل أن يمر عامه الأولى، فحاصرتني مثل غيري من الصحفيين رسائل على هاتفي من رقم مجهول تهاجمه وتصفه هو ومن حوله بالفساد وتترحم على زمن سالفه «البابا شنودة الثالث».

أمام الرسائل جاءت التساؤلات من يستهدف البطريرك ولديه قائمة الصحفيين؟! ولماذا لم ينتظروا أن تمر الشهور حتى تبدو اتهاماتهم منطقية ؟!، لم تأتِ الإجابات لكن الأمر بات واضحا أن الساكن الجديد في المقر البابوي هدف لسهامهم.

لم يفصله عن الكهنوت إلا خطوات معدودة فـ«وقار الأسود» ينتظره، كنيسته ترشحه وخدمته ذاع صيتها ولم يبق إلا لقاء البطريرك، وها هو الموعد قد حان ليخوض الاختبار الأخير، لكنَّ سؤلا واحدا وجهه له الجالس على الكرسي البابوي نسج خيوط النهاية.

سأله عن نقاط الخلاف اللاهوتي حول المرأة الحائض بين بعض الأساقفة، وانتهى اللقاء عندما سمعه يهاجم ويهرطق من يخالفه الرأي، فأدرك أن الكنيسة لا تحتمل هذا الخطاب فلا رتبة كهنوتية لمن يُكفر، فأضعف الخطابات هذا الذي يحتمي بالتكفير، فالفكر يواجه بالفكر دون اتهامات وإرهاب.

هذا عهد جديد لبطريرك أدرك أن الآخر ليس عدوا، وتكفيره ليس منهجا يُتبع حتى لو اتبعه البعض وحصدوا مكانة زائفة.

أعوامه الستة على الكرسي البابوي لم تخل من هجوم على كنائس وأزمات داخلية في الكنيسة، وها هو يواجه، يصيب ويخطأ، لكنه لا يزال يواجه، فمتى يدرك الأقباط أن المعركة تُحسم ببطريرك وخلفه شعبه.

للمركزية عشاق.. والبطريرك أدرك أن الدواء الناجح منظومة تضم أفرادا، والفشل هو فرد يلغي المنظومة ويملك السلطات كافة، فلا مركزية يؤمن بها، والمناصب في عهده لا يعرف أصحابها الخلود.. لذلك يُحارب.

البطريرك يحارب وحده، وفي معركته تنبه لميدان خالٍ استغلته تيارات التشدد، فنشرت روابطها في عالم افتراضي، واختبأت خلفها لتحشد، فهل تنجح؟ الإجابة: لا.. البطريرك فهم لعبتهم.

أحيانًا التشدد يصنع شعبية، فالجالس على الكرسي لم يسع إلى لقب زائف يتباهى آخرون به كذبًا، فيدعي أنه حامٍ للإيمان مثلما فعل الآخرون.. أي إيمان هذا الذي تحميه الكراهية والتحريض.

يسألني الرجل المهم في الكنيسة عن سبب الهجوم على رأسها أجبته «أن التطوير لا ينجح دون ظهير شبعي.. هكذا تُحسم المعركة».

لا يحتاج إلا الشعبية، وستأتي لأن أرضه صلبة، فلم يسلك طريقًا مختصرًا سلكه البعض فنشروا الكراهية وأشُعلت نيران معاركهم مع الطوائف الأخرى فجاءتهم المناصب.

تلك الكلمات ليست دعائية للبطريرك، لكن عندما يتصدر رجل بمفرده لمحاربة التشدد، فلا بد أن يهجر القلم كلمات الهجوم ضده.