لمصر.. لا لـ«يوسف زيدان»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

حتى ثورة 25 يناير 2011 لم يكن أحد يتخيل أن قنوات «الجزيرة» هى رأس الحربة فى إسقاط الأنظمة العربية. كنا نظنها صوت المقهورين فى كل مكان، لم يكن مخطط «قطر» قد كشف عن وجهه القبيح، ولا كانت «موزة بنت ناصر المسند» قد نجحت فى عقد صفقاتها المريبة لحساب «إسرائيل». قبل ذلك كانت تقدم «الدوحة» كواحة للديمقراطية، وفى عام 2004 سمحت الظروف أن أراها بنفسى على المنصة (وزوجها المخلوع «حمد» فى القاعة)، ومعها رئيس الوزراء الماليزى «مهاتير محمد» ود. «سعد الدين إبراهيم»، وغيرهم. وكان سيناريو «الشرق الأوسط الجديد» قد تم رسمه وأُسند تنفذه لقطر، ليبدأ -فيما بعد- الخريف العربى العاصف.

وقتها كانت خطة «موزة» هى شراء «العقول المصرية»، وتحويل رموز «القوى الناعمة» لمصر إلى مهرجين فى بلاطها، وكانت «الجزيرة» هى الواجهة الأنيقة لعقد صفقات شراء المفكرين والمبدعين. والجزيرة «سخية» وتحظى بالمصداقية، وتراهن على «الحصان الأسود» فى سباق الكتاب.

إنه صاحب جائزة «البوكر»، والأكثر غزارة فى الإنتاج الفكرى، والكاتب المثير للجدل فيما يتعلق بالتراث الفكرى والدينى والإنسانى، وصاحب القلم الذى يؤلم ويهدهد، ويُسقط الأساطير، ويبدد الخرافة من عقول الناس، ويحرك القلوب بحرف من قلمه. والأهم ليس أنه الأبرز من حيث «النجومية» أو الوجود على الشاشات، بل أنه الأكثر حضوراً بين الناس.. إنه «يوسف زيدان».

من يقترب من «زيدان» يدرك جيداً أن هذا العملاق بداخله «طفل برىء»، وتحركه نزعته الصوفية، وأنه فى سباق دور النشر على توقيعه قد يحسم الموقف بقلب زاهد فى المال. هكذا وقّع «زيدان» عقده مع «الجزيرة»، وهو المفكر الذى تتلبسه شخوص روايته لدرجة استلابه من حياته.. وما لا تعرفه «موزة» أنه عاشق لأبطاله، لا يمكن أن يدنس أحدهم بحفنة من دولارات قطر!

كان «يوسف» يعد لأول ثلاثية روائية: (محال، جونتنامو، نور). وقررت شبكة «الجزيرة» مشاركة دار «الشروق» فى طبع وتوزيع رواية «محال» لمدة خمس سنوات للنسخة العربية والإنجليزية، مقابل مبلغ ثمانين ألف دولار (أيام كان الدولار بخمسة جنيهات ونصف)، ودفعوا نصف المبلغ عند توقيع العقد، وكان من المفترض إكماله عند انتهائه من كتابة الرواية. قطعاً كان الهدف احتكار «يوسف زيدان» وإخضاعه لرغبات «موزة» الحاكمة المتسلطة، التى تود أن تصنع مجداً من «كرتون» لدويلة لا يعترف أحد بها إلا كقاعدة عسكرية أمريكية.

وكما يقول «زيدان»: «بعد انتهائى اعترضوا على الرواية بقولهم السطحى الساذج (ما دام بطل الرواية قد زار عاصمة قطر، الدوحة، يجب أن تتكلم عن قطر كلمتين حلوين)! قلت لهم: لا يوجد شىء فى الأدب الروائى اسمه (كلمتين حلوين).. قالوا: طيب، قل إن بطل الرواية، وبقية الثلاثية، هو «سامى الحاج» مراسل قناة الجزيرة، الحاصل على الجنسية القطرية.. قلت لهم: استوحيت الصورة الروائية للبطل من عدة معتقلين بجونتنامو، منهم محمد حاج وسامى الحاج وغيرهما.. قالوا سنرفع عليك قضية»!

كانت «قطر» على استعداد لشراء «كلمتين حلوين» بملايين الدولارات، لأنهما -ببساطة- يجعلان منها «وطناً»، ويصنعان من مواطنيها «أبطالاً» اعتُقلوا فى جونتنامو.. ويطهرون الساسة القطريين من رجس العمالة لأمريكا ومعاداة «العروبة».. «كلمتين» من «يوسف زيدان» يغيرون «الصورة الذهنية» عن بئر الغاز التى تشعل الحرائق فى المنطقة، بل وتغير الخريطة العربية ليمنحها «ريادة زائفة».

وفى محاولة لتركيع «زيدان»، كما قال: طلبوا تعويضاً خمسة عشر مليون دولار! فقلت فى نفسى: هؤلاء مخبولون تماماً، وطلباتهم غير منطقية، ولن تحكم بها محكمة. ولم أتدخل فى القضية المنظورة فى محكمة قطر بالدوحة، حتى استخرجوا حُكماً هزلياً مضحكاً، نصه بالحرف: يُلزم مؤلف الرواية برد الأربعين ألفاً، ويتم تغريمه بمبلغ ستين ألفاً، فيكون جملة المطلوب منه مائة وخمسين ألف دولار (40+60=150).. لكنه لم يركع ليس احتراماً لأدبه وفكره فحسب، بل لمصريته.

«يوسف زيدان» هو «الرمز» الذى قاوم «صفقات موزة»، فقررت عقابه برميه خلف القضبان بقوة الدولار، هو «العقل المصرى» الذى كشف ألاعيبهم، ورفض أن يمنحنهم «بطولة تاريخية» فى روايته «جونتنامو»، فقرروا اغتياله.

نحن لسنا أمام نزاع قضائى، بل نحن أمام حرب سياسية، ابتدعت فيها «قطر» إصدار الأحكام على أرضها، ورمى الملايين لتنفيذها على أرضنا! ولا أدرى تحت أى مبدأ وطنى أو أخلاقى قبلت شركة «الديب» للمحاماة أن تتقاضى الملايين القطرية الملوثة بدماء أبنائنا الأبرياء، لتنفيذ هذا الحكم.

لا أدرى سر الصمت المريب على تغريم مفكر ومعاقبته لأنه لم يخالف ضميره، ويزيف التاريخ لحساب «سامى الحاج» مراسل الجزيرة؟!

«العقل المصرى» الآن فى مزاد قطر، بيدها أن تعتقله بمطالبتها إياه بملايين الدولارات التى أصدرت بها حكمها الهزلى، أو تفرج عنه بـ«كلمتين حلوين».. والمصريون صامتون!

لو حدثت هذه المهزلة القضائية فى دولة أخرى لقام زلزال شعبى، وثارت وزارة الخارجية، وتدخلت مؤسسة الرئاسة، ليس دفاعاً عن «يوسف زيدان»، بل دفاعاً عن سيادتنا، وعن قضائنا الشامخ، عن سياستنا التى نؤمن بها ويلتف العرب جميعاً حولها، عن أرواح الشهداء الذين حرضت ضدهم قطر.. عن «مصر» التى يحاولون إخضاعها بدولارات الغاز النجس!