الليبيون فى المحروسة.. «جارى وصاحبى وابن عمى»

كتب: أحمد ماهر أبوالنصر

الليبيون فى المحروسة.. «جارى وصاحبى وابن عمى»

الليبيون فى المحروسة.. «جارى وصاحبى وابن عمى»

«نودعوكى يا برقا اليوم جلينا لكن انجوكى انجوكى بإذن الله وما تنتسى من البال يا حنونا».. مقولة رددها أحد الشباب الليبى ليعبر من خلالها عن أمله فى العودة إلى وطنه، وذلك رغم أن حياة الليبيين فى مصر تخلو من المشاكل المنتشرة فى باقى الدول التى يوجد بها ليبيون، كما يقول. الليبيون هنا بعضهم لا يزال يحتفظ بالعادات الليبية التى ورثها عن أجداده، حيث يذهب إلى المطاعم الليبية الموجودة فى القاهرة، ويرفض الاندماج فى المجتمع المصرى، أو إقامة علاقات مع المصريين، وهذه قلة، والبعض الآخر اندمج بشكل كلى فى المجتمع، لدرجة أنك لا تستطيع التفرقة بينه وبين المصرى، فهذا شاعر ليبى يبدع فى إلقاء قصائده بالعامية المصرية، وهذه أول سيدة ليبية تعمل بمجال المطاعم.

{long_qoute_1}

لم يختلف حال الليبيين كثيراً عما كانوا عليه فى وطنهم، بسبب التقارب بين الثقافتين الليبية والمصرية، مع وجود بعض الاختلافات منها الزواج الليبى الأشد تعقيداً مما هو عليه فى مصر، لذلك يفضل الليبيون مراسم الزواج المصرية، خاصة أن بعض القبائل الليبية ترتبط بصلة قرابة مع قبائل مصرية تنتشر من الإسكندرية شمالاً وحتى المنيا جنوباً، فى المقابل أحب المصريون المأكولات الليبية التراثية رغم اختلافها كثيراً عن نظيرتها المصرية، وزاد الطلب عليها، خاصة «المكرونة المبكبكة».

«الوطن» ترصد أماكن تجمعات الليبيين ومدارسهم فى المدن المصرية، بعد أن تضاعفت أعدادهم بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة فى معظم المدن الليبية.

{long_qoute_2}

لم يشتهر شارع عباس العقاد ومحيطه فى مدينة نصر، بالمطاعم والأماكن الراقية فقط، بل يرتبط بمعزة خاصة فى قلوب الجالية الليبية فى مصر، لتشابه تنظيمه ومعالم بنائه ببعض المناطق فى المدن الليبية، ويعد هذا من أبرز أسباب اختيار الغالبية العظمى من الليبيين لمنطقة عباس العقاد للإقامة والعيش فيها.

الترجل خطوات قليلة يصل بالأقدام إلى شارع طرابلس الهادئ فى بدايته، حيث للوهلة الأولى قد تعتقد أن هذا الشارع المتفرع من «عباس العقاد» عديم الروح، ضيق لا حياة فيه ولا حركة، وفجأة يتبدد هذا الاعتقاد ويترسخ مفهوم آخر حوله، حيث يتسع الشارع وتدب فيه الحياة بسبب الكثير من المحلات، ووجدت فيه عائلة «بيزان» ضالتها، وقرروا الاستقرار فيه وترك مدينة الرحاب، معللين ذلك بأنهم وجدوا راحتهم النفسية بهذا المكان، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من الأهل وأبناء الجالية الليبية بالمنطقة، مما جعلهم لا يشعرون بوحشة للوطن الأم. شقة مكونة من أربع حجرات وصالة كبيرة، تحوى بين أركانها ذكريات لا تنسى للعائلة الليبية التى قررت الاستقرار فى مصر بعيداً عن الأحداث فى ليبيا، حيث إن هذه الشقة هى أول مكان استقبل أحفادهم، كما أنها أول مكان يكون ملكهم فى مصر، وذلك لكونهم فى بداية الاستقرار بمصر عاشوا قرابة الأربعة شهور فى مدينة الرحاب بإيجار شهرى بلغ ١٢ ألف جنيه، ولكن بسبب رغبة أخيهم الأكبر استقر إخوته الثلاثة بجواره ليكونوا فى كنفه واتخذوا من شارع طرابلس مستقراً وسكناً.

عائلة «بيزان» المكونة من ثلاثة أشقاء كلهن نساء، يعشن فى شقتهن بمفردهن، وذلك بعد أن قررن العيش فى مدينة نصر، وذلك لوجود تقارب كبير فى تقسيم بعض المناطق مع بعض المدن الليبية، فارتفاع المبانى بها يشبه إلى حد كبير ارتفاع مثيلاتها فى ليبيا، الشقيقات الثلاث جمعهن بيت واحد، وذلك بعد أن تفرقن بسبب ظروف كل منهن، فالأولى والأكبر سناً وهبت نفسها للعلم والدراسة، فتقلدت مناصب بارزة فى المدارس الليبية، كما نالت مدرستها فى طرابلس جائزة أفضل مدرسة فى شمال أفريقيا بعد أعوام من التراجع فى مستوى الطلاب على حد قولها، والشقيقة الثانية أرملة عاشت لتربية ابنتها الوحيدة، وبعد أن تزوجت الابنة قررت الأم أن تعيش مع شقيقتيها، والثالثة من حين لآخر تصلهما، حيث إنها طيلة الوقت مستقرة فى ليبيا مع زوجها وأولادها، ولكنها الآن تعيش مع أختيها.

الحياة الهادئة جذبتهم، ولذلك أصبح يومهم يسير بشكل تقليدى، تستيقظ الأسرة مبكراً لصلاة الفجر، وبعد ذلك يكون إفطارهم من التمر والماء بالعسل وجبة فى بداية يومهم، ثم تتوجه الكبرى إلى مدرستها، وبعد ذلك تقوم بتنظيف البيت، والبدء فى الإعداد لوجبة العشاء، التى يبدأ إعدادها مبكراً وذلك لاستغراق جميع الوجبات الليبية وقتاً طويلاً فى الإعداد. تقولها صبرية بيزان، الشقيقة الوسطى خبيرة التاريخ، قبل التقاعد، أنها تفضل المأكولات الليبية، كما أنها تشترى الطعام بشكل يومى لتضمن أن يكون طازجاً، وتؤكد أنها تذهب إلى المحلات الخاصة بالجالية، لما فيها من كل أنواع المأكولات الليبية، حيث تجد ضالتها، وتوضح أنها لا تخرج للتنزه من البيت، نظراً لأنها لا تعرف الكثير عن مصر وشوارعها بحسب قولها.

{long_qoute_3}

«تلامذتى بيقولوا علىّ الجدة القاسية ودى حقيقة لأنى بكون قاسية على كل أحفادى، وده لمصلحتهم، وحياتى فى مصر عرفتنى بناس كتير وبيتى بيكون مفتوح طول اليوم سواء للمصريين أو الليبيين»، بهذه الكلمات بدأت زهرة بيزان، مديرة مدرسة، الشقيقة الكبرى، كلامها والتى أكدت من خلاله أنها تجمعها صداقات بعائلات مصرية، وأن بيتها دائماً ما يكون متسعاً لجميع أصدقائها، فهذه سيدة ليبية ومعها ثلاثة أطفال، تجلس بجوار الجدة، وأطفالها يلهون بجوار جدتهم العجوز، وهذه مصرية تأتى يومياً لزيارة الجدة وإخوتها.

وتوضح «الجدة» سبب تمسكها بلهجتها الليبية، حيث إنها لا تنطق باللغة المصرية العامية مطلقاً، على الرغم من تعاملها مع مصريين طيلة يومها، بأنها لا تريد أن تفقد هويتها الليبية، رافضة أية محاولات لتعلم العامية.

وتروى العجوز قصتها فتقول: «تقاعدت عن العمل سنة ٢٠١١، وتركت بيتى لأنه كان قريباً من المدرسة اللى كنت باشتغل فيها، وبعد أحداث فبراير جيت لمصر، وفضلت شهرين بدون شغل، ماكانش فى بالى أرجع أشتغل تانى، لكن بالصدفة قابلت بعض أولياء الأمور الذين تربطنى بهم علاقات طيبة أثناء فترة عملى مديرة مدرسة التقدم فى ليبيا، فعرض علىّ صاحب مدرسة خاصة فى مصر أن يعيننى مديرة للمدرسة وفعلاً وافقت، ومن بعدها حياتى ما بين المدرسة والبيت، وعلاقتى بمدرسين المدرسة كويسة جداً، ومعظمهم مصريين، بنفطر سوا يومياً، ومنهم بييجوا يزورونى، لدرجة إنى بقيت مش حاسة بغربة فى مصر».

البيت الهادئ فى أول النهار، يكون صاخباً مزدحماً عند الظهيرة، حيث تستقبل الأسرة ضيوفها بالماء والشيكولاتة، وذلك لإعطاء سعرات حرارية للضيف، ثم بعد ذلك يكون للشاى الأحمر الليبى حضوره بشكل رئيسى ومعه بعض قطع المخبوزات الليبية الممزوجة بالسكر المطحون، وما أن ينتهى الزائر من الشاى لتبدأ بعده طقوس خاصة، فإن جاء صباحاً يكون العصير الطبيعى ومعه بعض قطع من المقروض «أكلة ليبية شهيرة تتكون من الدقيق وبعض قطع المكسرات»، وإن جاء الضيف فى منتصف اليوم، فيكون للبزين والمبطن أهمية كبيرة، كما أن الكسكسى والمكرونة المبكبكة من أشهى المأكولات التى يشتهيها الليبيون، وسواء كان الضيف ليبياً أو مصرياً فتلك هى طقوس الاستقبال الخاصة بضيوف عائلة بيزان. بعد يوم مزدحم من الأحداث يعود الهدوء مرة أخرى فى المساء، حيث الأنوار تُطفأ فى الساعة التاسعة مساء، ليغمر النوم كل من فى البيت.


مواضيع متعلقة