العقوبات الأمريكية وترتيبات الإقليم
- أسعار النفط
- الأسد و
- الأسواق الآسيوية
- الأقمار الصناعية
- الأمن الداخلى
- الإقامة الجبرية
- الاتحاد الأوروبى
- الاتفاق النووى
- البحر الأسود
- التبادل التجارى
- أسعار النفط
- الأسد و
- الأسواق الآسيوية
- الأقمار الصناعية
- الأمن الداخلى
- الإقامة الجبرية
- الاتحاد الأوروبى
- الاتفاق النووى
- البحر الأسود
- التبادل التجارى
فى مقال الجمعة الماضى «مراجعة واجبة لتغيرات الإقليم»، ألقيت نظرة طائرة متعجلة على تغيرات الإقليم، استناداً إلى أن لنا عودة لتناول مفصل لأوضاعه ومتغيراته، عندما تنضج التطورات، لكن إيقاع الأحداث أسرع منا جميعاً.. العقوبات الأمريكية ضد أطراف محور موسكو طهران أنقرة تُشَكِّل محاولة أمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع بالإقليم.. تطور يستحق التناول، ويفرض اليقظة، فى أيام حاسمة، تفرض التحفز، حتى لا نسىء التقدير، أو تدهمنا المصالح الدولية والإقليمية المتصارعة.
أمريكا، كقوة عظمى، تتعامل بحزم، مع الترتيبات الإقليمية التى تقوم بها دول محور موسكو طهران أنقرة.. ترامب انسحب من الاتفاق النووى مع إيران 8 مايو 2018، كنوعٍ من الضغط لإبرام اتفاق جديد يعالج ثغراته، ويغطى برنامجها الصاروخى، ودعمها للإرهاب، وسلوكها الإقليمى «المزعزع للاستقرار».. الاتحاد الأوروبى والهند والصين وتركيا لم يلتزموا بالعقوبات، حرصاً على مصالحهم مع طهران، التى هددت فى حالة الخضوع للضغوط الأمريكية، برفع نسبة تخصيب اليورانيوم بمفاعلاتها لـ20%، ومنع وكالة الطاقة الدولية من التفتيش على منشآتها النووية، ووقف تصدير النفط لأوروبا وأمريكا عبر مضيق هرمز.. قوة الضغط الأمريكى دفعت شركات توتال للطاقة وبيجو للسيارات وميرسك للملاحة البحرية للانسحاب من إيران، استجابة للتهديدات، إيران انتقدت الوجود العسكرى الأمريكى فى الخليج، وأجرت مناورات بحرية ضخمة بالمضيق مطلع أغسطس، هى الثالثة هذا العام بعد مناورتين مشتركتين، الأولى مع البحرية الباكستانية فى أبريل، والثانية مع البحرية الصينية فى يونيو، وذلك فى محاولة للإيحاء بأنها لا تقف وحدها، بل تحظى بتعاطف إقليمى ودولى، وأن تهديدها بإغلاق هرمز يرتبط فقط بمنعها من بيع النفط للخارج.. الجنرال جوزيف فوتيل قائد القوات الأمريكية بالشرق الأوسط تعهد بضمان حرية الملاحة والتبادل التجارى بالمنطقة.
إيران سعت لتأكيد جديتها فى الرد على العقوبات الأمريكية، بدفع ميليشيات الحوثى اليمنية لضرب ناقلتى نفط سعوديتين بمضيق باب المندب، المملكة علقت نقل شحناتها عبر المضيق.. إجراء اتسم بالرعونة والتسرع، مكتفية بالتعلل بالحاجة لتأمين الملاحة، أعقبه دراسة الكويت اتخاذ قرار مماثل، دون استيعاب أن أمريكا وهى تتجه للمرحلة الثانية من العقوبات ضد إيران، التى تتعلق بصناعة النفط فى نوفمبر، تعتمد على السعودية لتعويض النقص بالأسواق، حتى لا تتأثر السوق الأمريكية بزيادة جديدة لأسعار النفط، ما يفسر تراجع الرياض عن القرار بعد أيام قليلة.. نتنياهو هدد إيران بالتدخل العسكرى إذا حاولت إغلاق المضيق.. تهديد يدرك الجميع جديته، لأن حرب 1967 نشبت بعد أيام قليلة من إغلاق مضيق تيران، ما يفرض على طهران مراجعة جدية تهديداتها.
تزامن العقوبات ضد إيران مع نظيرتها ضد روسيا، بحجة تورطها فى تسميم العميل الروسى المزدوج سيرجى سكريبال وابنته فى لندن مارس الماضى، يستهدف الحيلولة دون تقديم موسكو أى دعم لطهران، لتعرضهما لنفس الحصار، المرحلة الأولى تتضمن حظر توريد بعض السلع والتكنولوجيات الحساسة، والثانية فى نوفمبر أيضاً تتسع لتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وفرض حظر على رحلات آيروفلوت الجوية الروسية للطيران، ووقف الصادرات الأمريكية لروسيا، وتهديد الأسواق الآسيوية والأوروبية من شراء النفط الروسى، تجنباً للعقوبات.. حساسية موقف ترامب من روسيا، نتيجة لقضية التدخل فى الانتخابات، فرضت استصدار قانون بالعقوبات من الكونجرس بمجلسيه، ما يحرم الرئيس مستقبلاً من القدرة على تجاوزها، إلا بعد استسلام موسكو للمطالب الأمريكية، بفتح المنشآت العلمية والأمنية لعمليات التفتيش الدولى، وهو أمر يبدو مستحيلاً، ما قد يفرض تراجعات مستقبلية من الكونجرس، خاصة فى ضوء توقيع بوتين فى يونيو على قانون «الإجراءات الجوابية على التصرفات غير الودية من قبل الولايات المتحدة ودول أجنبية أخرى»، ما قد يعنى وقف توريد محركات «RD-180» الصاروخية الروسية ذات الاستخدام المزدوج فى الأغراض المدنية، والأقمار الصناعية العسكرية لأمريكا.
العقوبات ضد إيران وروسيا تزامنت مع عقوبات مماثلة ضد تركيا، ما يؤكد أنها إجراءات سياسية تستهدف تطويع محور موسكو طهران أنقرة، الذى يجمع القوى الرئيسية الفاعلة حالياً بالمنطقة.. العقوبات التركية تعللت أيضاًَ بأسباب مختلفة.. استهداف وزيرى العدل والأمن الداخلى التركيين، باعتبارهما قادة لمنظمات حكومية، مسئولين عن تنفيذ انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ولعبا دوراً بارزاً فى توقيف القس برونسون، ثم اعتقاله أكتوبر 2016، بتهمة مساعدة التنظيم السرى لأتباع الداعية المعارض فتح الله جولن المقيم بالولايات المتحدة، قبل أن تخلى المحكمة سبيله 25 يوليو الماضى، وتضعه رهن الإقامة الجبرية.. فى سبتمبر 2017 اقترح أردوغان الإفراج عن برونسون مقابل تسليم واشنطن لجولن، ولكن واشنطن رفضت الصفقة.. الكونجرس أوصى البنوك الدولية بعدم إقراض تركيا، وتمت مضاعفة الجمارك على الصلب التركى الذى تستورد أمريكا 60% منه، ما أدى إلى انهيار الليرة التركية.. ومن خلف الكواليس تتردد بأروقة الناتو أنها عملية تأديب لعضو بالحلف تعاقد على شراء شبكة دفاع جوى روسية S-400، وقام فى مايو بتفعيل مشروع السيل التركى عبر شركة «غاز بروم» الروسية، لنقل الغاز الطبيعى إلى أوروبا عبر البحر الأسود، رغم مقاطعة موسكو.. وحارب أكراد الشمال السورى، رغم تحالفهم مع واشنطن فى الحرب ضد داعش.
أمريكا تدرك أن العقوبات الاقتصادية لا تسقط أنظمة، خاصة أن إيران تمتلك أرصدة من الذهب والعملات الأجنبية، وحقوق السحب الخاص والاحتياطات لدى صندوق النقد الدولى، بلغت 132 مليار دولار 2017، وهو رقم جيد، وأن الصعوبات الاقتصادية الداخلية ترجع لإعطاء أولوية لتدخلاتها الإقليمية، لكنها تستهدف طهران، وتسعى لعزلها عن حلفائها بالمحور الثلاثى، لمنعها من استثمار المتغيرات الراهنة بالمنطقة لترسيخ نفوذها؛ بدءاً بانتصار الأسد وحزب الله، ضد الإرادة الغربية، وصمود الحوثيين فى اليمن، رغم الغارات السعودية، وهيمنة الشيعة على الحكم فى العراق، بعد القضاء على التمرد السنى، والاجتياح الداعشى.. واللافت أن عملية تنفيذ العقوبات ضد دول المحور، يتم تنفيذها بنفس المراحل المتصاعدة، ما يعكس حرص أمريكا على توظيف قدراتها الاقتصادية فى الضغط، لتحقيق أهدافها السياسية بالمنطقة.. من يتحدثون عن أفول العصر الأمريكى، وسقوط عصر الدولار، يستبقون الزمان، ربما بزمان.. فالمتأمل لتردد روسيا وإيران وتركيا، بل والصين، التى فرضت عليها رسوم جمركية جديدة، فى الرد على واشنطن، بإجراءات ولو رمزية.. يدرك أننا ما زلنا نعيش عصر القوة الأمريكية.