السيدة علياء غانم والدة أسامة بن لادن

(1)

فى عام 2001 أصبح أسامة بن لادن أشهر شخص فى العالم، وفى عام 2011 وبعد عشر سنوات.. أعلنت واشنطن مقتل «أسامة».

هنا كان ظهور نجم جديد.. إنه حمزة بن لادن.. الذى ذاعت شهرته بعد تهديده الولايات المتحدة. ولكن منتصف عام 2018 شهد وجود اسم جديد جداً.. بات حديث العالم بعد ساعات من إعلان صحيفة الجارديان البريطانية إجراء حوار معها للمرة الأولى فى حياتها.. إنها والدة أسامة بن لادن.

جاء ذلك السبق الكبير لصحيفة الجارديان يحمل مفاجآت مذهلة: المفاجأة الأولى.. أن السيدة علياء غانم لا تزال على قيد الحياة، وتعيش فى هدوء فى مدينة جدّة.

المفاجأة الثانية.. أن السيدة علياء غانم هى «شيعية علوية» من عائلة تنتمى إلى محافظة اللاذقية.

المفاجأة الثالثة.. أن زوجة أسامة بن لادن الأولى السيدة نجوى غانم -ابنة خاله- هى أيضاً شيعية علوية.

المفاجأة الرابعة.. أن والدة أسامة بن لادن السيدة علياء غانم لا تزال ترفض رواية أن ابنها كان وراء أحداث 11 سبتمبر، بينما أخواه أحمد بن لادن وحسن بن لادن.. مقتنعان تماماً وقبل مرور 48 ساعة على أحداث 11 سبتمبر بأن «أسامة» كان وراء ما حدث.

(2)

عادتْ عائلة أسامة بن لادن حديث العالم.. وبدأ ذكر تفاصيل لقاء والده ذات يوم بتاجر فى اللاذقية يدعى «إبراهيم غانم».. وأنه تزوج لاحقاً من شقيقته السيدة علياء غانم.. ثم أنجب منها ابنه «أسامة».

وكذلك جرى الحديث عن حبِّ العائلة «الشيعية العلوية» لأسامة بن لادن.. سواء من جانب والدته السيدة علياء، أو زوجته الأولى السيدة نجوى، أو حماته والدة نجوى غانم. وكان من بين ما تم الكشف عنه.. هو إصابة حماته بالسكتة الدماغية ثم وفاتها عقب إعلان واشنطن مقتل زوج ابنتها عام 2011.

ثم جاء الكشف عن قيام المخرج السورى الراحل نبيل المالح بتصوير فيلم سينمائى عن والدة أسامة بن لادن السيدة علياء غانم.. ونشأة ابنها «أسامة» وارتباطه بالأوساط الاجتماعية والثقافية العلويّة فى سوريا.

(3)

إنَّ أعداد المصاهرات بين الشيعة والسنة لا حصر لها، والعائلات السنيّة الشيعية فى سوريا والعراق توجد على امتداد الوطن. ليست المفاجأة فى زواج سنّى سعودى من علويّة سورية.. ولكن المفاجأة أن أسامة بن لادن، الذى اختطف الحديث باسم أهل السنة والجماعة، وأسّس قاعدة الجهاد قبل عشرين عاماً.. قد أسَّس الكثير من شرعيته عند أنصاره على عدائه لبعض السُّنة «الموالين لغير المسلمين».. وكذلك «كل الشيعة» من دون استثناء. إن «أسامة» الذى أفتى بـ«ردة الشيعة.. ووجوب قتالهم».. قد ولد لأمٍّ شيعية وتزوج من ابنة خاله الشيعية!

إن «العداء الشرعى» من قبَل «القاعدة» للشيعة هو أمرٌ معروفٌ ومؤكدٌ.. وفى الكثير من أدبيات «بن لادن» و«الظواهرى» يجرى وصف الشيعة بـ«الروافض المرتدين».. وفى عام 2005 أمر أسامة بن لادن نائبه فى العراق، أبومصعب الزرقاوى، بتأسيس جناح عسكرى خاص لقتال الشيعة.

إن والدة «أسامة» -الشيعية- قالت لـ«الجارديان» إنّها زارت ابنها بعد تأسيسه تنظيم القاعدة فى أفغانستان.. ثم عادت وزارته مرةً أخرى. وكان «أسامة» كريماً ودوداً.. واصطاد لهم فريسةً بنفسه.. وأقام لها وليمةَ كبرى.

لم تتحدث الوالدة أبداً أن ابنها قال لها: «أنتِ مرتدة»، أو «أنتِ على باطل.. يجب أن تتركى مذهبكِ الضالّ إلى مذهب أهل السنة والجماعة». إن «أسامة» الذى كان يحب والدته وما زالت والدته تحبّه وتراه إنساناً رائعاً.. قد تم خداعه من قبَل «عبدالله عزام».. كان يمكنه أن يتحدث إليها بالحسنى، وأن يدعوها للتغيير المذهبى بالحبّ الذى بينهما.. لا سيما أن والدته ليست فقيهةً شيعية ولا زعيمةً علويّة. ولكنه لم يفعل أى شىء من ذلك.. إن «أسامة» الذى وصف الشيعة بالمرتدين لم يتحدث قطّ مع والدته فى هذا الصدّد!

(4)

لقد عرضت فى كتاب «الجهاد ضد الجهاد» جوانب من المساحة الغامضة بين «القاعدة» و«داعش» وبين إيران، كما عرضت جوانب من العلاقة الملتبسة بين تنظيمات الإسلام السياسى السنيّة وتنظيمات الإسلام السياسى الشيعية.

واليوم يظهر لنا فصل جديد من «كتاب الغموض».. تلك «المنطقة السريّة».. التى لطالما التقى فيها المتطرفون من الجانبيْن. وفى تقديرى.. فإن باحثى الإسلام السياسى.. عليهم أن يعيدوا قراءة أسامة بن لادن.. إنساناً ومشروعاً.. على ضوء المستجدات العائلية التى تكشّفتْ الآن.

لو أنَّ «أسامة» قدَّم نموذجاً للتسامح المذهبى على ضوء والده السنّى ووالدته الشيعية.. لكان أمراً منطقياً، ولو أنَّه دعا «والدته» و«زوجته» و«خاله» العلويين إلى المذهب السُنى.. لكان أمراً طبيعياً. لكن أن يلتقى «أسامة» والدته فى أفغانستان بعد تأسيسه «القاعدة» وسطوْة الآراء التكفيرية للشيعة من دون وقف تكفير الشيعة أو دعوة والدته لمغادرة المذهب العلوى.. فهو أمرٌ لافِتٌ وغريبٌ.

لقد كانت كلمات حسن بن لادن عن أخيه «أسامة».. صادمة وحاسمة.. قال «حسن»: «لقد أضاع أسامة كل شىء.. من أجل لا شىء»!