الشراكة الكويتية الصينية وتغيرات الإقليم

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت، فجَّر مفاجأة كبرى من بكين، بالإعلان عن تأجير جزيرتى فيلكا وبوبيان للصين لمدة ٩٩ سنة، تستثمر فيهما ٤٥٠ مليار دولار، فنادق ومنتجعات ومحلات ومكاتب تجارية وبنوكاً ومستشفيات وجامعات ومدارس، والأهم أنها تتولى حمايتهما أمنياً واستراتيجياً!! الكويت اشترطت وضع بكين وديعة متجددة ٥٠ مليار دولار لحساب الكويت، وضخ استثمارات ٤٠ ملياراً لمدينة الحرير الكويتية لتصبح مركزاً مالياً هاماً بالمنطقة العربية.. الظهور الاستراتيجى المفاجئ للصين بمنطقة الخليج يدعم أمن الكويت، فى مواجهة الأطماع الخارجية، ويضيف بعداً جديداً للتوازن الدولى والإقليمى، ويوجه لطمة قوية للتوازن الأمريكى وسياسات ترامب.. الصين لم تنتظر أمريكا أن تذهب إليها لتحاصرها، بل أتت إليها فى عمق مصالحها.. لتؤسس شراكة استراتيجية مع أحد حلفاء أمريكا.

الموقع الجغرافى للمنطقة العربية فى قلب طريق التجارة القديم يجعل من دولها «شركاء طبيعيين» فى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، فهى تمثل جزءاً من شبكة لوجيستية تربط آسيا الوسطى وشرق أفريقيا والمحيط الهندى بالبحر المتوسط، ما يفسر وضع الصين استراتيجية شراكة مع الدول العربية، واعتمادها 20 مليار دولار لتقديمها كقروض لتعزيز نفوذها بالمنطقة فى مواجهة التحدى الجمركى الأمريكى، بتمويل تنمية موانئ وطرق وسكك حديدية ضمن المبادرة، حجم التبادل التجارى بين الصين والدول العربية 191 مليار دولار 2017، منها 127 ملياراً حجم التبادل مع دول مجلس التعاون الخليجى، التبادل مع الكويت شهد نمواً متسارعاً، قفز من 9.5 مليار دولار 2016، إلى 12.04 مليار 2017، لتتبوأ الصين المرتبة الأولى كأكبر شريك تجارى، الشركات الصينية العاملة بالسوق الكويتية 40 شركة، تتولى تنفيذ 84 مشروعاً تنموياً ضخماً، قيمتها 18.12 مليار دولار، موزعة على قطاعات النفط والاتصالات والبنية التحتية والإسكان، والكويت كانت أول دولة عربية تستثمر فى الصندوق السيادى الصينى بمبلغ 10 مليارات دولار منذ عام 2005 حتى الآن.

خلال مشاركة أمير الكويت فى الدورة الثامنة للاجتماع الوزارى لمنتدى التعاون العربى/الصينى المنعقد فى بكين 10 يوليو الحالى، وقعت الدولتان على سبع اتفاقيات للتعاون الاستراتيجى، تتعلق بوضع الإطار العام للتعاون، وتحديد آلياته، التعاون فى الصناعات الحربية، والتأمين على الصادرات، والائتمان، تشجيع الاستثمار المباشر، التعاون فى مجال الطاقة، شاملة النفط والغاز الطبيعى، والكهرباء والطاقة النووية، والطاقة الجديدة والمتجددة، بحث إعفاء مواطنى البلدين من التأشيرات، التعاون فى مجال الأمن والمخابرات وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب، تطوير استخدامات التجارة الإلكترونية، الاتفاق مع شركة «هواوى»، لتطبيق استراتيجية المدن الذكية على مشروع مدينة الحرير وجزيرة بوبيان، الذى ينقسم إلى أربع مراحل، تتمثل فى وضع شبكات البنى التحتية، وأمن المعدات والشبكات الافتراضية، والتحول الرقمى لمختلف الصناعات، ومركزية إدارة المدن، وأخيراً العمل على توظيف العملات المحلية فى مجال التجارة والاستثمارات، وهو إجراء يستهدف الدولار الأمريكى بصفة رئيسية!!.

الكويت تستشرف التغيرات التى تطرأ على توازنات القوى الدولية، وتمتلك المرونة التى تسمح لها بانتهاج الاستراتيجيات التى تكفل أمنها الوطنى، وتسعى للتحرر من الاعتماد على النفط.. لذلك أدمجت «رؤية الكويت 2035» بمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، التى كانت أول دولة تنضم لها 2014، وذلك من خلال مشروعى مدينة الحرير وجزر المنطقة الشمالية الخمس «وربة، بوبيان، فيلكا، مسكان، وعوهة»، على النحو الذى يحولها لبيئة جاذبة للاستثمار، ومركز تجارى ومالى فى الممرات الاقتصادية العالمية، ويمكنها من ضم الصين كشريك استراتيجى ومستثمر أساسى.

المشاريع الكويتية تمتد على مساحة 350 كم2، تتضمن مناطق صناعية وتكنولوجية متطورة، ميناء مبارك، مدينة فيلكا الأثرية، مركزاً عالمياً لاستقبال وتخزين وإعادة شحن البضائع، ومنطقة حرة.. الكويت اعتمدت لمشروع الجزر 112 مليار دولار، فى الفترة 2015/2020، المشروع يستوعب 440 ألف نسمة، يوفر 220.000 فرصة عمل، ويحقق ناتجاً قومياً 35 مليار دولار، يجتذب استثمارات أجنبية 1.5 إلى 2 مليار دولار، و3 إلى 5 ملايين سائح سنوياً، و20 مليون مسافر كحركة جوية، ويوفر 90 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، و4 ملايين كيلووات من الطاقة الشمسية سنوياً، لكن المشكلة أن موقع المشروع ذو أهمية جيوسياسية، قرب السواحل العراقية والإيرانية، ما يضعه هدفاً لأطماع ذاقت الكويت مرارتها 1990، ما يفسر تضمن الاتفاق مع الصين مسئوليتها عن ضمان أمن الجزر الاستراتيجى.. وهو تطور يعنى ظهور الصين كقوة عسكرية بالمنطقة.

الاتفاق الاستراتيجى تم فى وقت تتعرض فيه العلاقات الكويتية الأمريكية لأزمة كبيرة، الكويت رفضت إعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، وانزعجت من استخدام واشنطن للفيتو على مشروع القرار الذى تقدمت به لمجلس الأمن، والمتعلق بالمطالبة بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطينى فى مواجهة جرائم الاحتلال الإسرائيلى، وتصاعد الأمر إلى حد تهديد الكويت بنقل المشروع إلى الجمعية العامة، حيث صوتت ضد القرار الأمريكى.. خلفية العلاقات الاقتصادية أيضاً تؤكد أن الأمور ليست فى أفضل حالاتها؛ حجم التبادل التجارى بين الكويت وأمريكا، على عكس نظيره مع الصين، يتجه نحو الانكماش.. تراجع من 15 مليار دولار 2014، إلى 6 مليارات فقط 2016، مناصفة بين الدولتين.. يبدو أن الكويت بدأت تستوعب دروس التاريخ، أمريكا شجعت العراق على غزوها، لتجد مبرراً لضرب صدام حسين، ثم ساعدت فى تحريرها، لتتقاضى الثمن، لكن أهل الكويت ذاقوا مرارة الحرب والاحتلال واللجوء، بخلاف سداد الفواتير، فهل هذا حليف يوثق؟!

مبادرة «الحزام والطريق» الصينية تضم 65 دولة، يسكنها 4.5 مليار نسمة، أى 60% من سكان العالم، وتحقق مجتمعة ثلث الناتج المحلى الإجمالى العالمى، تعكس سعى الصين لزيادة نفوذها العالمى، أمريكا تخطط لمشروع بديل بالتعاون مع الهند واليابان وأستراليا، وتشن حرباً تجارية ضد الصين، بفرض ضرائب على وارداتها، تتجاوز 60 مليار دولار، الصين ردّت بفرض ضرائب على 120 منتجاً أمريكياً، ولا نعلم إلى أين تتجه الأزمة؟.. هل تنجح حكمة الصين فى عبور التحدى الأمريكى، وتصبح الاقتصاد الأول فى العالم بكل ما يعنيه ذلك من اتساع مناطق نفوذها، خاصة فى الخليج، طريق مبادرتها إلى البحر المتوسط.. أم ينجح ترامب فى تحجيم المارد الأصفر، لتعود دويلات الخليج صاغرة، تفتح خزائنها لمزيد من ابتزاز الكاوبوى الجديد؟!.