الإسلام الحر وحرمة الحياة الخاصة
(مأساتنا فى مصر هى تارة الاستغلال السيئ للحريات العامة والخاصة، وتارة أخرى التعدى عليها، ولا يزال العرض مستمراً: مرة فوضى ومرة استبداد!)
من أكبر مآسى زمننا الخلط بين الحرية والفوضى، مثلما يحدث فى كثير من مستويات المجال العام فى مصر؛ حيث عدم الخوف من خرق القانون، وحيث الرعونة فى تطبيقه، إما بسبب جبن المرتعشين أو بسبب الطيبة الجوفاء أو اللامبالاة بحاضر البلد ومستقبلها، وفى حالة التعدى على الأمن القومى أو النظام العام، فلا تحدثنى عن حرية، ولا تحدثنى عن حقوق؛ إذ لن يكون هناك دولة ولا قانون يمكن الالتجاء إليه؛ لأن الآخرين سيكون لهم ذلك الحق أيضاً فى انتهاك القوانين، وهنا تسقط فكرة الدولة، ويضيع البلد، وتستيقظ الصراعات المسلحة من مرقدها العفن.
ومن مظاهر هذه الفوضى انتهاك حرمة الحياة الخاصة، مع أن حرية الفرد فى عالمه الخاص به، هى «حرم مقدس» لا يجوز لأحد انتهاكه أو الدخول إليه إلا صاحبه أو من يأذن له، وهنا تظهر مغالطة من يعتبرون أن حياة الساسة والفنانين والرياضيين والمشاهير مثلاً هى حق مشاع للإعلام الأصفر تحت دعوى حرية التعبير أو دعوى أن الحياة الخاصة للشخصية العامة أصبحت جزءاً من حياته العامة!
وتشمل حرمة الحياة الخاصة للفرد: العائلة والبيت والذوق الخاص، والأشياء المفضلة للفرد، بشرط ألا يكون فى أى من ذلك عدوان على الغير.. (أنت وحدك الذى تحدد أسلوب حياتك ما لم تخرج عن القانون)، ويجب ألا تمتد يد السلطة الحكومية والاجتماعية إلى الحياة الخاصة، فهى «المجال الخاص» الذى تنتهى عنده سلطة قوانين المؤسسات العامة.
وهذا ما استقر فى كل دساتير الدول الحرة؛ لكن المشكلة دوماً فى التنفيذ، فبعض الحكومات تقول ما لا تفعل، حتى فى الديمقراطيات العريقة مثل الولايات المتحدة، فقد حدث قديماً فضيحة التجسس على الاتصالات، وفى هذه الأيام تعود من جديد كفضيحة على المستوى الدولى؛ حيث التجسس على رؤساء الدول الصديقة بواسطة وكالة الأمن القومى الأمريكية التى لم تحترم القواعد التى تحمى الحياة الخاصة فى عملياتها للتنصت على الاتصالات الهاتفية.
والإسلام الحر يقدس الحرية، لكنه مثل كل دول الحريات العريقة، يميز بين «المجال العام» و«المجال الخاص»، فالمجال العام يضم الميادين السياسية والاقتصادية والمجتمعية، والحرية فى المجالات العامة غير الشخصية، يجب أن تكون خاضعة للرقابة والضبط القانونى، فلا حرية فى المجال العام بدون التزام بالقانون؛ لأن الحرية لها سقف هو القانون وإلا تحولت إلى فوضى، وأهم تعريفاتها فى أعرق الدول إيماناً بالحرية هى: «الحق فى فعل كل ما تسمح به القوانين».
والحريات المنضبطة هى حقوق لكل الناس، وليست حقوقاً لفئة دون سائر المجتمع، فلا يجوز لأحد أن ينتهك حرية الآخرين، ثم ينادى باحترام حريته هو، فإذا ما تعدى فريق على حرية الآخرين سيكون من حقهم أيضاً أن ينتهكوا حريته. إن البعض يظن أن القانون يمنع ويقيد فقط، وهذا خطأ لأن القانون يحمى حرية الفرد أيضاً؛ فمثلاً، يمنع القانون الفرد من التعدى على الآخرين، لكنه يحمى أيضاً حريته من أن يعتدى عليها أحد.
وفى «المجال الخاص» يعتبر انتهاك حرمة الحياة الخاصة أمراً مخجلاً فى الإسلام الحر، وهو ما تبينه «الفاروق» عندما نبهه إلى ذلك أحد الأشخاص، فمن القصص الذائعة أن الفاروق كان يتجول بالمدينة ليلاً، فسمع صوت رجل فى بيت وهو يتغنى ويشرب مع رفاقه، فتسور عليه، أى قفز من فوق سور البيت، فقال: يا عدو الله، أظننت أن الله يسترك وأنت فى معصيته؟ فقال الرجل: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علىّ، إن أكن عصيت الله واحدة، فقد عصيت الله فى ثلاث، قال: (ولا تجسسوا)، وقد تجسست، وقال: (وأتوا البيوت من أبوابها)، وقد تسورت علىّ، وقد دخلت علىّ بغير إذن وقال الله: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها). قال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه، وخرج وتركه (رواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق).
ويعنى هذا أن الحياة الخاصة هى حق لصاحبها يستأثر بها ويحتكرها وحده، ولا يجوز لأحد أن يطلع عليها إلا بإذنه، وهى أعلى من حق الملكية الفردية، لأنها غير قابلة للتنازل عنها، وهذا المعنى مستقر عند المفسرين، فقد قال القرطبى فى (الجامع لأحكام القرآن): «لَمَّا خصّ الله ابن آدم الذى كرمه وفضله بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجز على الخلق أن يطلعوا على ما فيها أو يلجوها دون إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم».
ولا تقتصر حرمة الحياة الخاصة فى الإسلام على المسكن فقط، بل تشمل كل الخصوصيات وشئون الأسرة والاتصالات والمراسلات والأنشطة الإلكترونية الخاصة، بل إن مفهوم السكن الذى تشمله الحماية لا يقتصر فقط على البناء، بل يشمل ما يؤوى الإنسان، حتى لو كان بشكل مؤقت، لهذا قال الخطيب الشربينى فى كتابه (مغنى المحتاج) إن الفقهاء ذهبوا إلى أن الخيمة فى الصحراء كالبيت المشيد فى المدينة، ويشمل هذا فى عصرنا غرف الفنادق والشواطئ، والسيارات، والطائرات الخاصة، والمكاتب الخاصة، وهى جميعاً تدخل تحت حق حماية الحياة الخاصة، ومن المحظور التجسس عليها أو تفتيشها أو الدخول إليها بغير إذن المقيم فيها أو إذن السلطة القضائية فى حالة ثبوت وقوع جريمة ضارة بالآخرين، وهذا ما أكد عليه العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ فى المادة 17، فالأصل والقاعدة هى تقديس حرية الشخص فى الحياة الخاصة، والتقييد لا يأتى إلا فى حالة التعسف فى استعمال هذا الحق بالتعدى على الغير أو حتى تعدى الشخص على نفسه كالانتحار أو تعمد حرق الممتلكات الخاصة مثلاً. وللأسف هذه البديهيات المستقرة غائبة عندنا؛ فمأساتنا فى مصر هى تارة الاستغلال السيئ للحريات العامة والخاصة، وتارة أخرى التعدى عليها، ولا يزال العرض مستمراً: مرة فوضى ومرة استبداد!