رئيس البرتغال «المسلم بلا إسلام».. ماذا استفدنا من رؤية مُعلم ورئيس؟

كريم البكري

كريم البكري

كاتب صحفي

داخل أروقة جامعة الأزهر وقف الرئيس البرتغالي مارسيلو دي سوزا، ليقدم محاضرة بعنوان «رؤية معلم ورئيس» حول التعايش السلمي المشترك بين الأديان، وأثناء المحاضرة وتألق المُتحدث الذي قال عن نفسه إنه عاشق لمهنة التدريس، تذكرت مقولة الشيخ محمد عبده عندما زار أوروبا وقال قولا مشهورا لا يزال إلى يومنا هذا يردده الكثيرون: «رأيت في أوروبا إسلاما بلا مسلمين وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام».

حديث الرئيس البرتغالي كان ملائمًا ومتفقًا مع الدين الإسلامي الذي يعد دين الإنسانية والمحبة، ومن داخل الجناح التعليمي للأزهر الشريف وقف الرئيس البرتغالي يقول: «يجب أن نقبل باختلاف الآخر، فكلنا مختلفون، ولدينا آراء مختلفة حول الحياة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، فيجب أن نقبل ذلك، ولا نضطهد أو نهاجم أو نقضي على من يعتقدون غير معتقداتنا».

كان احتفاء الدولة كبيرًا بزيارة الرئيس البرتغالي الشهر الماضي والتي استغرقت ثلاثة أيام استطاع خلالها أن يلتقي بشيخ الأزهر والبابا تواضروس ويزور الأهرامات ويجري مباحثات مشتركة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولكن تلك المحاضرة كانت هي النقطة المضيئة في الزيارة، خاصة عندما سلّط الضوء على الدستور البرتغالي الذي أكد أنه يكفل حقوق جميع المواطنين، بمن فيهم رعايا الدول الأجنبية، فضلا عن تأكيده على التمسك بحلمه في تحقيق مزيد من المساواة والوحدة والتعاطف والحرية والديقراطية بين أفراد الشعب البرتغالي كله.

أثناء حديث الرئيس البرتغالي، جال بخاطري الأعاصير التي ضربت أمريكا مؤخرًا كم من مرة حدثت زلازل وأعاصير وفيضانات في بلدان غير إسلامية، قتلت المئات من البشر وشردت الآخرين، ودمرت منازلهم وأملاكهم، ولم يقف خطباء المساجد يوم الجمعة في دول العالم الإسلامي يترحمون على الموتى ويدعون للمصابين بأن ويخفف الله المصاعب عنهم، للأسف هؤلاء البشر -في نظر أكثر خطبائنا إن لم يكن كلهم- لا يجوز الترحم عليهم لأنهم غير مسلمين، وان ما حدث لهم هو عقاب من الله بسبب كفرهم وكثرة معاصيهم.

تذكرت أثناء حديث الرئيس البرتغالي، أكشاك الفتوى التي ظهرت بمحطات مترو الأنفاق، وظهر اسم الدكتور مجدي يعقوب بها، حيث سأل المواطنون هل سيدخل الجراح العالمي الجنة أم النار؟! وكأن صكوك الجنة والنار بأيدي الشيخ الجالس داخل كشك المترو، ولا أتعجب من المواطنين الذين يسألون هذا السؤال، هؤلاء الذين تُركوا في وطن بلا علم أو تثقيف أو توعية، حتى أصبحوا مادة سهلة الاستخدام من قبل المتعصبين والمتسلفين والوهابيين الذي اجتاحوا القنوات الفضائية والمساجد والجمعيات الأهلية وكل أماكن التجمعات.

أثناء حديث المُعلم البرتغالي عن ضرورة تقبل اختلاف الرأي وعدم اضطهاد المخالفين لنا في العقيدة، تذكرت واقعة الباحث إسلام بحيري حينما أصدر الأزهر الشريف بيانًا يدين فيه محتوى البرنامج ولم يكتف بذلك بل تحرك قضائيًا من أجل إيقاف عرضه على فضائية القاهرة والناس، ليس ذلك وحسب بل تم اتهام الباحث الشاب بـ«ازدراء الأديان» وتعرض للحبس عام حتى شملته قوائم العفو الرئاسي.

ما سبق كان فصلا بسيطًا من فصول الكراهية ونبذ الآخرين والتي شاهدناها بوفرة في مصر خلال العقود الماضية، فالمجتمع لا يحارب فقط المختلفين في الرأي أو الباحثين في بحور تجديد الخطاب الديني، بل ينبذ أيضًا المُلحدين ولا يسمح لهم بالتعبير عن رأيهم أو استضافتهم على الشاشات، ولكنها تفتح الساحات والقنوات الفضائية ومنابر المساجد والإعلام للشيوخ الذين تخللهم متعصبين أصحاب تاريخ أسود في الفتاوى أمثال ياسر برهامي.

هل قادة الأزهر الشريف وشيوخه وطلابه الذين استمعوا لمحاضرة الرئيس البرتغالي اقتنعوا بضرورة التعايش السلمي مع المختلفين؟ أم مازال حتى الآن لديهم غضاضة تجاه المختلفين؟ وهل يعتبرون مصر التي نحيا فيها هي مصر الثقافة والتحضر والاختلاف التي كانت منارة العالم؟ وحتى نصل إلى مصر التي وصفها الرئيس البرتغالي في محاضرته بـ«المنارة الحضارية» يجب أن ندرس لماذا وصلنا إلى مصر التي نعيش فيها اليوم.

حتمًا هو «العلم»، السر وراء أي نهضة والسبب الرئيسي للخروج من الأزمة وتجاوز الزجاجة وعنقها، والعلم في مصر حقًا لم يكن أولوية أي نظام سياسي حديث بعد جمال عبدالناصر الذي حرص على نشر المدارس في القرى والمحافظات، بالإضافة إلى إرساء مجانية التعليم، ولكن اليوم الطالب العادي الذي لم يحظ بتعليم أجنبي أو مدرسة إنترناشونال، فهو –بكل أسف- لا يلائم سوق العمل الذي تسيطر عليه الشركات الأجنبية الخاصة، مثلما يتحول إلى عقلية جاهلة سهل صبغها بأي أفكار رجعية أو متطرفة قد تهدد المجتمع.

وحتى نعطي العيش لخبّازه، نستحضر ما كتبه الدكتور أحمد زويل في كتابه «عصر العلم» عندما اعتبر أن التقدم أشبه بالمثلث وأضلاعه الثلاثة هم: «العلم والتكنولوجيا والمجتمع»؛ فالعلم يخلق التكنولوجيا وهي تدفعه مرة أخرى للتطوير، بينما المجتمع يساهم بدوره في تهيئة السبيل للعلم ويستقبل نتائجه.

ويجب الاعتراف بأن بعض المجتمعات قد تأخذ وقتا طويلا لتصطبغ بالطابع العلمي وقد لايكون من الحكمة الانتظار حتى يتشكل المجتمع العلمي تلقاء ذاته ثم يكوّن العلم والتكنولوجيا؛ لذلك يجب الدفع بكيانات علمية جديدة تجلب العلوم والكتنولوجيا المتطورة إلى الداخل، ولا يجب أن تكون هذه الكيانات عبارة عن جامعات أو مدن علمية مثل مدينة زويل، فالأصلح والأنسب أن تهتم بالأطفال والنشء منذ نعومة أظافرهم وقبل أن تلوث المناهج والأفكار الهدّامة رؤوسهم.

والتكنولوجيا العلمية ليست رفاهية للدول الغنية بل هي ضرورة للبقاء والتطور الاقتصادي، فالدولة العثمانية سقطت وتراجعت أمام النهضة الأوروبية الحديثة بسبب العلم، والعلم التكنولوجي لا يُبنى على موارد غنية ولا اقتصاد قوي بل هو من يحقق ذلك، فماليزيا كانت بلد زراعي يعتمد على تصدير المطاط ثم تحولت في ظرف عشر سنوات إلى بلد صناعي مُصدّر للصناعات الثقيلة والتكنولوجيا الدقيقة، نفس الشأن كان في كوريا، وأيرلندا التي تحولت خلال سنوات معدودة إلى بلد مصدر للتكنولوجيا، وقد يعتقد أحيانا أن المؤامرات تعيق التقدم العلمي، ولكننا حقًا نتآمر على أنفسنا بهذا الاعتقاد، فالمؤامرة لم تعق الصين من التطور كما لم تمنع أيرلندا وماليزيا من ذلك أيضا رغم اختلافهم سياسيا مع قوى عظمى بقدر أمريكا.

مما لا شك فيه أن توافر حد أدني من حرية التعبير والتفكير هو الذي يسمح للعلماء أن يعبروا عن آرائهم بحرية، حتي لو خالفت آراء النخبة السياسية الحاكمة، كما يتوقف نمو البحث العلمي في بلد ما على مدى إيمان النخبة السياسية بالعلم ذاته كقيمة أساسية في المجتمع، وعلى ضرورة تأسيس عملية صنع القرار وفقًا نتائج البحوث العلمية، فهل النخبة السياسية الحاكمة وأعضاء الحكومة والسلطة التنفيذية يدركون هذا ويتبعونه؟ وهل النخب المثقفة في مصر تستطيع أن تتفرغ لدعم مسيرة البحث العلمي ومسح الغبار الذي تراكم على جسد الدولة المصرية.

ومن هنا يجب وضع سياسة قومية لإعداد الباحثين العلميين وتأهيلهم وإرسالهم في بعثات علمية للخارج، وتسهيل حضورهم للمؤتمرات العلمية. وقبل ذلك لابد من الارتفاع بالمستوي الاقتصادي للباحثين، وإعطائهم أجورا ومرتبات عالية تكفل لهم التفرغ التام للبحث العلمي، مثلما يجب وضع سياسة علمية يشارك في وضعها القادة العلميون في مختلف التخصصات.

في مصر يا سادة للأسف نفتقد الإيمان بجدوى العلم، وذلك انعكس على نوعية المؤسسات التي تنشأ لإدارة عملية البحث العلمي، وكفاءة القائمين عليها وشمول نظرتهم للعلم وقدراتهم في مجال تعبئة الطاقات العلمية وحجم الميزانيات التي ستخصص للبحث العلمي، فالمناخ البيروقراطي الرجعي حوّل الجميع إلى مجرد موظفي حكومة يقضون يومهم ولا يعلمون شيئًا عن الغد.

بالعلم وحرية الرأي والنقاش والتعبير والبحث تحيا الأمم وتنهض، وتصبح مثل مصر التي تحدث عنها رئيس البرتغال لا مصرنا اليوم؛ لذلك دعونا نقول بأعلى صوت: «تحيا مصر» مع إضافة كلمتي بالعلم والحرية.. تحيا مصر بالعلم والحرية.