الفاشية الدينية فى الدستور المصرى
الفاشية مصطلح حديث يرمز إلى الحكم الدكتاتورى المتسلط الذى لا يسمح بالتعددية فى المناقشات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية.
وتتصل كلمة فاشية فى الأصل برموز السلطة الرومانية القديمة المسماة «الحزيمة الرومانية»، وهى عبارة عن مجموعة من قضبان من أشجار البتولا أو الدرداء مربوطة معاً بشريط أحمر على فأس يظهر نصله من الحزمة، وكانت هذه الحزيمة رمزاً للقوة قديماً فى أيام الجمهورية للإمبراطورية الرومانية. ثم استحدث بنيتو موسولينى المصطلح عام 1919م، فصارت الفاشية رمزاً للحكومة الإيطالية فى عهده، وإن أرجع كثير من المؤرخين بداية الفاشية الحديثة إلى نابليون الأول الذى حكم فرنسا حكماً مطلقاً فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين.
وإذا كانت الفاشية قبيحة فى كل المعاملات الإنسانية؛ لما فيها من التسلط والقهر والاستخفاف بالغير، فإن الفاشية فى أمور الدين أشد قبحاً؛ لما فيها من الحكم على ضمائر الناس الخفية وفتح باب النفاق فى الدين خوفاً من الملاحقة، بالإضافة إلى أنها تسلط بغير إذن من الله؛ خاصة أن الاختلاف فى الدين لا يرتب ضرراً على الغير، فالعلاقة فى الدين بمعنى العبادة محصورة بين العبد وربه. أما إذا تعدت تلك العلاقة بما يمس أحداً من البشر، فقد خرجت عن كونها ديناً عبادياً إلى صيرورتها معاملة، وتخضع لقواعد المتعاملين بتراضيهما وليس لمن يزعم معرفته بالدين. وقد منع القرآن الكريم الفاشية الدينية فى أكثر من موضع ومناسبة، ونذكر من ذلك ما يأتى:
(1) تحديد وظيفة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأنها تبليغية وليست وصائية، فقال سبحانه: «مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ» (المائدة: 99)، وقال تعالى: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» (الغاشية: 21-22).
(2) إعلان حق المتلقى فى القبول والرفض فى الدنيا ليتحمل المسئولية فى الآخرة، فقال سبحانه: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29)، وقال تعالى: «قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (سبأ: 24-25).
(3) إلزام الدعاة بحدود التبليغ ووفقاً لأصول الإنسانية الراقية، كما قال تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ» (النحل: 125).
(4) التزام المقتنع بقناعته دون الصدام مع المخالفين، ما دام تعلق الأمر بالدين دون المساس بحقوق الآخرين فى المعاملة، فقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (المائدة: 105)، وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ» (الحج: 17).
وفى داخل الدين الواحد يمكن أن تتعدد الرؤى الفقهية والمذهبية، فما يتوافق فيه الناس يجتمعون عليه كاجتماعهم على إمام يحبونه، وما يختلفون فيه لا ضير من تعددية عبادتهم؛ فقد أخرج البخارى عن ابن عمر قال: إن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلِّينّ أحد العصر إلا فى بنى قريظة»، فأدرك بعضهم العصر فى الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلى، لم يُرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبى (صلى الله عليه وسلم) فلم يعنف واحداً منهم.
وأخرج الدارقطنى والنسائى عن عائشة قالت: اعتمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا معه، فقصر وأتممت الصلاة، وأفطر وصمت، فلما دنوت إلى مكة قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): «أحسنتِ يا عائشة»، وما عابه علىَّ. وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبى (صلى الله عليه وسلم) فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وكيف نقبل الفاشية الدينية بعد انقطاع الوحى، فكل من يتكلم فى الدين بغير النص القرآنى والنبوى إنما يتكلم من فكره وقناعته وغلبة ظنه، فكيف به يجعله صواباً مطلقاً؟ ألم يسمع قول الشافعى، وهو الإمام الفذ، يصف اجتهاده بقوله: «قولى صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرى خطأ يحتمل الصواب»؟ ألا يخشى التجرؤ على الله بأن ينسب إليه حكماً استنباطياً، وقد حذرنا من ذلك فى قوله (سبحانه): «وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلَالٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ » (النحل: 116).
وأخرج مسلم عن بريدة، أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان يقول لأمرائه: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك -أنت- فإنك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا».
ومع هذه الإنارة الإسلامية، إلا أننا فى هذه الأيام الملبدة بالغيوم نرى اتجاهاً ظلامياً يريد لمصر أن ترجع إلى عصور الفاشية الدينية، فينادى بعضهم أن ينص فى الدستور على مرجعية هيئة كبار العلماء فى الأزهر فى الأمور المتعلقة بالشريعة الإسلامية، ما يجعل الإسلام وشريعته حكراً على هيئة، فيكون المصريون على دين تلك الهيئة وليس على دين الله المتعدد بأوجهه الفقهية.
فهل سينتصر الفاشيون أو سيحافظ المصريون على مكتسباتهم فى الحرية الدينية والمذهبية التى جعلها الله أصلاً فى العلاقات الإنسانية فى الدنيا؟ سيظهر ذلك فى الأيام المقبلة بإذن الله. وإن كان رجائى فى علم أعضاء هيئة كبار العلماء أن يبادروا برفضهم الفاشية الدينية أو ما يؤدى إليها مستقبلاً، وأن يعلنوا أن مرتبتهم العلمية السامية توجب عليهم إجلال البحث العلمى وإن خالفهم الرأى، وأنهم يرفضون كل ما يؤدى إلى الوصاية الدينية.