عن المنهج الأزهرى الحاكم لإمام المسجد

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

وصل إلىّ عدد من التعليقات على مقالى قبل السابق، تسأل عن أركان المنهج الذى على أساسه يُعرف أزهرى المشرب من غيره، والإجابة كما استفدناه من أساتذتنا أن المنهج الأزهرى قائم على ثلاثة أركان أساسية موروثة منذ أكثر من ألف سنة، هى: أشعرية العقيدة، الجامعة بين العقل والنقل دون تكفير للمخالف، ومذهبية الفقه، وتزكية الأخلاق، وهذه الأركان ليست اختياراً عشوائياً، بل مثلت الاحترام العميق لاختيار الأمة المحمدية. ومع استعراض المطروح من المناهج المختلفة اختار الأزهر بناءً على اختيار وانتخاب الأمة الأكفأ والأضبط والأقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة ومراد القرآن. فاختار الأزهر المذاهب الأربعة المشهورة، لأنها أكثر المذاهب إحكاماً وانضباطاً وتحريراً لأصول الاستنباط، فانتسب الأزهر إليها دون غيرها، ثم يأتى من يدعى «الأَزْهرة»، ويضرب بهذه المذاهب عرض الحائط، ويخترع مذهباً خامساً يسميه «اتِّباع الدليل من الكتاب والسنة»، ويقدِّم فهمه هو للمسألة على فهم الإمام الشافعى لها، كأن الدليل الشرعى للأئمة الأربعة مستمد من مجلة «ميكى ماوس» وأن دليله هو فقط المستمد من السنة. واختار «العقيدة الأشعرية» من بين المناهج المطروحة فى باب الاعتقاد، لأنه المنهج الأكمل والأوفى خدمة ومناضلة له وإقامة الأدلة على أحقيته، وقل مثل هذا فى اختيار الكتب الستة، وفى التصوف السنى (غير البدعى)، فعندما يخرج من يقول ببطلان هذا الاعتقاد وتضليله وبدعيته، ويستبدل أفكاراً أخرى به فهذا خروج عن المنهج الأزهرى لحساب مناهج أخرى غريبة. لا نحجر على من يناوئون المذهبية الفقهية والعقيدة الأشعرية، لكن نتوقف عند محاولة هؤلاء المناوئين زرع أفكارهم المستوردة وأصولهم الغريبة داخل الأزهر وهيئاته ومساجده باسم الأزهر، لهم أن يفعلوا كما فعل حامد الفقى، الذى كفَّر أبا حنيفة وتبرأ من علوم الأزهر وأنشأ جمعية «أنصار السنة» بدعم وهَّابى، وعلَّم أتباعه منهجاً آخر. والأركان الثلاثة وإن كان مجالها قاعة البحث ولكن ارتباطها بالمنبر من زاوية ما يُرتب عليها من ثمرات، تظهر على الخطيب فى صور عديدة، أهمها: وجود الأستاذية، والنظر إلى الأمة على أنها مرحومة وليست مشركة، وقبول الآخر، وأن الخلاف من فقه الاستخلاف، وشدة التوثيق والتدقيق والتحرى فيما ينقله، ومراعاة مقاصد الشريعة، وتنزيل القرآن على مواضعه، فلا يأتى بآية نزلت فى كافر ليجعلها فى مسلم، ومخاطبة الناس بمحاسن الشرع، وتصوير الشرع بأبعاده الأخلاقية وشريعته الواسعة، ويكون خطابه مفعماً بمعانى الربانية والرحمة واليسر، وتمتلئ نفسيته بهداية الخلائق لا بالانتقام منهم، حتى عندما يقسو فإن من وراء قسوته نوراً وهداية وليس شهوة نفس ولا عصبية ضيقة. ويترتب على الأركان الثلاثة أيضاً ألا يقدم خطاباً استقطابياً مشوهاً متشنجاً عصبياً، منزوع الروح، تنفر منه الطباع.. فليكن هذا الخطاب هو الرائج للناس وهو المقياس فى منع أو ترك الخطباء، ونسميه ما نريد لا فرق، لكن لا نقدِّم عكسه ونسميه «أزهرياً». هنا نؤكد أن المنهج الأزهرى أكبر من الأشخاص، وأن هناك فارقاً بين منهج الأزهر المستقر، وبين أنشطته التى يصيبها الخطأ والصواب، والضعف والقوة، وأن اختيارات الأزهر فى القضايا الأخيرة مثلا شىء غير قضية المنهج، فهناك سلفيون أيدوا الاختيارات الأخيرة للأزهر مع مناوأتهم للمنهج، وهناك بعض أزهريين عارضوا هذه الاختيارات مع تمسكهم بالمنهج. وكما لا يُوصف اختيار شيخ الأزهر فى غير المنهج بأنه مقدس معصوم، فإنه لا يوصف أيضاً بأنه خائن، لأن كلا الرأيين غفل عن ثمرةِ ركن أزهرى خالص هو «المذهبية الفقهية» التى تعنى قبول غيرى، ورفع التقديس عن رأيى، وعدم ادعاء معرفة كبد الحقيقة والصواب المطلق. والله أعلم.