قانون وزارة «الصحة والتجارب السريرية»!!
- أيها السادة
- الأبحاث الطبية
- الأعلى للجامعات
- البحث العلمى
- البحوث الطبية
- البنك المركزى
- التعليم العالى
- الدكتور حسام عبدالغفار
- أثار
- أخلاق
- أيها السادة
- الأبحاث الطبية
- الأعلى للجامعات
- البحث العلمى
- البحوث الطبية
- البنك المركزى
- التعليم العالى
- الدكتور حسام عبدالغفار
- أثار
- أخلاق
فى ولاية ألاباما الأمريكية فى ثلاثينات القرن الماضى، وفى قرية توسكيجى تحديداً التى كان يسكنها السود، وجد بعض الأطباء ضالتهم لدراسة مرض الزهرى.
400 شخص من حاملى المرض من العمال البسطاء أُدخلوا فى تجربة سريرية بشعة رغماً عنهم.. لم يخبرهم أحد عن طبيعة مرضهم، ولم يخبرهم أحد أنهم جزء من تجربة، ورغم أن المرض لم يكن له علاج بالفعل فى بداية التجربة، فإنه بعد مرور سنوات، عندما أصبح البنسلين متاحاً كعلاج أمثل للزهرى، قام الأطباء بأبشع جرم يمكن فعله.. فقد أحجَم الأطباء عن تقديمه للمرضى فى توسكيجى، وفضّلوا أن يستمروا فى دراسة المرض.. لقد استمرت التجربة لمدة 40 عاماً، هى الأسوأ بالتأكيد فى حياة تلك القرية سيئة الحظ، التى مُنع عنها الدواء الشافى فى سبيل «هدف أكبر».. أو هكذا كان يظن أصحاب التجربة.. لقد كانت تجربة «توسكيجى» السبب الرئيسى لإصدار قوانين صارمة منظمة للبحث العلمى والتجارب السريرية فى العالم كله بعدها!!
والحقيقة أننى أتابع بشغف منذ فترة ما يحدث من لغط فى مناقشة مشروع قانون التجارب السريرية فى مصر وابتسامة مريرة لا تفارق وجهى.. فالموضوع صار بائساً بالفعل.. الأمر ليس مجالاً للسخرية.. ولا أتعمدها من قريب أو بعيد بكل تأكيد.. ولكن النظر إلى المشهد العبثى الدائر الذى لا يمكن وصفه يثير الحزن فى نفسى بشكل غير مسبوق.. لقد طالبنا مراراً وعبر عقود بقانون ينظم التجارب السريرية على المرضى فى هذا الوطن أسوة بكل دول العالم التى تملك طموحاً فى البحث العلمى.. فلسنا نبغى اختراع العجلة أو حتى نطالب بما هو ليس قائماً بالفعل.. ولكن وزارة الصحة -وهى جهة غير مختصة من الأساس فى رأيى- قد خرجت علينا بقانون لا يمكن وصفه إلا بالعجيب.. بل واستمرت فى سبيلها لتناقش القانون لجنة الصحة بالمجلس دون وجود لجنة التعليم والبحث العلمى صاحبة الاختصاص الحقيقى بمثل هذا القانون.. ثم توافق عليه فى غرابة شديدة وترسله للعرض على الجلسة العامة لإقراره!!
الفكرة أن القانون يحمل الكثير من النقاط التى يعد وجودها نسفاً لقيمة القانون نفسه.. وهدماً لكل الأهداف التى من أجلها نطالب جميعاً به منذ فترة.. تلك النقاط التى أثارتها نقابة الأطباء فى ملاحظاتها عليه.. وشدد عليها الدكتور حسام عبدالغفار أمين مساعد المجلس الأعلى للجامعات للقطاع الطبى.. ذاكراً أن القانون بهذا الشكل لا يحقق أهداف البحث العلمى فى مصر.. الملاحظات تضمنت أنه فى حالة الأبحاث الطبية العالمية يجب النص على ضرورة اعتماد البحث فى دولة المنشأ أولاً حتى لا يتحول المريض المصرى لحقل للتجارب، وأن يتوافق البحث والتدخل الطبى مع المعايير الأساسية لسلامة المريض.. ووضع إرشادات الممارسات السريرية الجيدة (GCP) العالمية فى الاعتبار قبل الموافقة على أى تجربة جديدة، فعلى سبيل المثال لا يمكن السماح بإجراء بحث سريرى على دواء جديد لبيان فاعليته وحرمان مرضى «العينة الضابطة» من العلاج التقليدى مما يؤدى إلى تدهور حالتهم.. الطريف أن مشروع القانون ينص على تبعية المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية إلى وزارة الصحة وليس إلى رئيس الوزراء، فى سابقة تثير الضحك قبل إثارتها للتساؤلات عن جدوى تلك التبعية.. وينسف استقلاليته تماماً ويجعله غير محايد.. بل ويجعلنا جميعاً نتعجب من إصرار وزير الصحة على «دس أنفه» فى الأمر.. فى ظل وجود وزارة كاملة تختص بالبحث العلمى والتعليم العالى.. ومجلس أعلى للجامعات يمتلك لجنة للقطاع الطبى.. الأمر أشبه بأن يقوم وزير الزراعة بتعيين محافظ البنك المركزى.. ويعتبر استمراراً لفوضى الرعاية الصحية فى هذا الوطن الذى أنهكته الخلافات!!
ربما كان علينا أن نناشد السادة أعضاء برلماننا الموقر أن يستجيبوا لكل الأطراف التى تعارض القانون بشكله الحالى.. وأن تعيد النظر فى بنوده الخلافية.. حتى يخرج القانون ليخدم البحث العلمى المظلوم.. وليس ليخدم السيد وزير الصحة!!
أيها السادة.. لقد أصبح صدور القانون ضرورة حتمية.. ولكن قانوناً بهذا الشكل من الأفضل له ألا يصدر.. افيقوا يرحمكم الله..!