«شرهى» مملكة الخردة.. «قرية بلا عاطلين»

كتب: أحمد عصر وعمرو رجب

«شرهى» مملكة الخردة.. «قرية بلا عاطلين»

«شرهى» مملكة الخردة.. «قرية بلا عاطلين»

طريق يمر فى اتجاهين لا فاصل بينهما، تزينه الزراعات الخضراء على الجانبين، والحركة عليه لا تنقطع سواء من العربات و«التروسيكلات» بعضها يتجه إلى قرية «شرهى»، التابعة لمركز أهناسيا، محملاً بالخردة، والآخر خارج من القرية بعد أن أفرغ حمولته، وهناك عربات نقل كبيرة محملة بأجولة بيضاء تم رصها وربطها بعناية تدل على أن عملاً ضخماً يقوم به سكان هذه القرية.

الداخل إلى القرية عليه أن يقطع طريقاً وسط تلال من البلاستيك، وُضعت فى قطعة كبيرة من الأرض، ومن خلفها كانت حركة تشبه خلية النحل لا تهدأ طوال اليوم، فى مقدمة الأرض من ناحية الطريق توجد غرفة صغيرة مسقوفة بالخشب، جلس داخلها «حمادة عويس»، 48 سنة، صاحب الأرض، التى يطلقون عليها «كسارة البلاستيك»، بدأ معنا حديثه بالقول إنه امتهن «شغلانة» جمع الخردة فى القرية، عام 1994 وحينها كان يمتلك عربة كارو يجرها حمار، بعد أن تعب من العمل والغربة فى القاهرة، وبدأ فى التوسع شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبح وإخوته يملكون مخازن كبيرة للخردة التى يجمعونها، قبل أن يقوم عدد كبير من أهالى القرية بتقليدهم، حتى تطور الأمر، وأصبح يشترى خردة البلاستيك من جامعيها ويقوم بفرزها وتكسيرها وبيعها للمصانع فى القاهرة، وتابع: «بيدخل لى فى اليوم 30 عربية مليانة خردة وأنا بشتريهم، ده غير إنى شغال معايا أكتر من 80 عامل بنات وولاد أغلبهم من القرية».

{long_qoute_1}

«عويس» يشترى طن البلاستيك الخردة بـ6 آلاف جنيه، وبعد الشراء يتم تفريغ الحمولة فى المكان المجهز لذلك، عن طريق عدد من العمال، وأمام صاحب الحمولة، وبعد تفريغها يتم فصل كل نوع فى مكان، من خلال عمال من الجنسين، متفاوتى الأعمار، وينهمكون فى العمل بتركيز تام، ثم يأتى بعد ذلك دور الكسارة التى تقطع البلاستيك إلى قطع صغيرة الحجم، تخرج بعد ذلك إلى براميل مليئة بالمياه فيتم غسلها، ثم تجفيفها وتعبئتها فى أجولة لتكون جاهزة للسفر إلى القاهرة وبيعها هناك بأسعار متفاوتة، كل على حسب نوعه.

عدد مصانع وورش الخردة فى قرية «شرهى» وصل إلى أكثر من 35 مصنعاً وورشة، حسب تأكيد «عويس»، وهذه المصانع والورش تعانى من عدم وجود صرف صحى بالقرية، مما يكبدهم نصف أرباحهم لكسح الصرف الناتج عن العمل فى الورش والمصانع، بخلاف ضعف الكهرباء، التى يعانى منها «عويس» أكثر من معاناته من عدم وجود صرف صحى، على حد تعبيره قائلاً: «عندى كسارتين بس مبعرفش أشغل غير واحدة منهم عشان الكهربا مبتساعدنيش، ده غير إن بتوع البيئة كل شوية يعملوا لنا محاضر».

على مسافة قريبة من كسارة «عويس»، توجد قطعة أرض أخرى ممتلئة بالحديد القديم مختلف الأشكال، بعضه تم ركنه إلى حوائط قديمة، بينما البعض الآخر ملقى على الأرض، وبين هذه التلال من الحديد جلس الرجل الخمسينى «ربيع صابر»، وبجواره شقيقه الأصغر «على» صاحب الـ35 عاماً، يحكيان عن 20 عاماً من العمل فى جمع الخردة وشرائها داخل القرية، حيث بدأ الأخ الأكبر العمل بأقل الإمكانيات، قائلاً: «بدأتها بعربية وجحش، وشوية جبت حصان وكرتة ولما ربنا كرمنى جبت تروسيكل، لحد ما بقا عندى الورشة الكبيرة دى وبقيت أنا اللى بشترى من اللى بيلموا الخردة».

{long_qoute_2}

يشترى الأخوان «ربيع وعلى» طن الحديد بنفس ثمن طن البلاستيك، إلا أنه لا يمر بنفس المراحل، ويقومان بتخزينه فترة من الوقت حتى يجمع قدراً معقولاً، وأثناء هذه المدة يشترى منهما سكان القرية ما يريدون: «لو حد محتاج يشترى باب قديم أو سياخ حديد يعمل بيها عتب بنبيعها له»، وبعد جمع مقدار محدد من الحديد يذهب به إلى مصانع الحديد فى القاهرة ويبيعه لها.

قبل أن تشتهر القرية ببيع وشراء الخردة كانوا يذهبون إلى القاهرة للعمل فى المعمار، وكان «ربيع» وإخوته من ضمن هؤلاء الشباب، إلا أن الوضع الآن تغير فى القرية، على حد قوله، فلم يعد الشباب يغادر القرية بحثاً عن عمل، وبحسب قول «ربيع»: «مفيش واحد فى القرية عاطل، ووصلنا لدرجة إننا لما بنيجى نطلع الزكاة بتاعتنا مبنلاقيش حد هنا محتاجها»، ويضيف أن قرية «شرهى» كلها تعمل فى الخردة إلا أنها لا تجد من يرعاها ويساعد من يعمل فيها على الوجود بصورة رسمية، بجانب انعدام الخدمات الأساسية التى يفترض أن تتمتع بها القرية، متابعاً: «القرية هنا صغيرة ورغم كده فيها مصانع مش موجودة غير فى القاهرة، وعشان كده إحنا مبنطلبش من الدولة إنها تأكلنا أو تشغلنا، إحنا كل اللى عايزينه إنهم يهتموا بالقرية شوية، ويدخلوا لنا صرف عشان نعرف نعيش زى البنى آدمين، وحتى من 4 سنين لما قالوا عشان الصرف يدخل لازم خط المية يتنقل من مكانه لأنه فى نص القرية وقالوا إن ده هيتكلف 3 ملايين وإننا لازم نشيل نص المبلغ، وقتها وافقنا بس فى الآخر مفيش حاجة حصلت برضه».

أزمة الصرف ليست هى الوحيدة التى يعانى منها «ربيع» وباقى سكان القرية، وإنما امتدت المعاناة إلى ترعة القرية، التى لم تعرف المياه طريقاً لها منذ 4 أشهر، على حد قوله، الأمر الذى يصعب من عملية رى الأراضى الزراعية، ويسبب لهم العديد من المشكلات.

فى طرف القرية، وبعد مجموعة كبيرة من ورش الحديد وكسارات البلاستيك المتراصة على الجانبين، كان مصنع آخر من نوع مختلف، يعمل فى تصنيع الأوانى الألمونيوم، استفاد منه عدد كبير من شباب القرية بعدما لم يعودوا فى حاجة إلى «الغربة» فى القاهرة، حسب ما قال «طارق عمر» صاحب المصنع، وهو جالس بين مجموعة من الأوانى يقوم بتغليفها بعدما انتهى العمال من تصنيعها، حيث قال إن بدايته وشقيقه فى العمل بهذه المهنة كانت عام 2005، عندما شجعهم أهل القرية على ذلك من خلال استغلال قطعة أرض يملكونها، والاستفادة من شباب القرية العاملين فى نفس المهنة بمصانع القاهرة، وأضاف: «عملنا فعلاً المصنع ورحنا جبنا المكن وبدأنا نشتغل، وشباب القرية لقوا فرق كبير بين الشغل هنا وبين الشغل فى القاهرة، ويكفى إن العامل وقت الغدا بيروح ياكل فى بيته ويرجع تانى، ولو صحى يوم متأخر على الشغل مبتفرقش كتير لأن الشغل جنب البيت، وكل دى حاجات خلت كل الصنايعية اللى كانوا بيروحوا القاهرة يستقروا فى القرية».

بداية «طارق» فى تصنيع الأوانى الألمونيوم كانت بمخرطة واحدة، أصبحت الآن 6 مخارط مختلفة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تشجع أهل القرية بما فعله وبدأوا فى تقليده واحداً تلو الآخر، مما زاد فى عدد مصانع الألمونيوم بالقرية. وواصل الحديث بالقول: «بقى كل واحد يروح يبيع له بقرة ولا حتة أرض ويفتح ورشة، وكل الشباب اللى عاملين ورش دلوقتى كانوا شغالين عندنا أول ما فتحنا»، وشرح «طارق» طريقة تصنيع الأوانى قائلاً إن البداية تكون من خلال قرص ألمونيوم خام، يدخل فى المرحلة الأولى على المخرطة، الواقف عليها اثنان من العمال، يساعد كل منهما الآخر، بعدما يضعان القرص فى المكان المخصص له، ويتابعانه بالعمل حتى يخرج فى شكله المطلوب، ومن هذه المرحلة ينتقل إلى أخرى، حيث ماكينة التلميع الخارجى، يديرها عامل واحد، ويأتى إليه آخر بما أنجزه عمال المخرطة، وبعد الانتهاء من التلميع الخارجى، تدخل الأوانى على المرحلة الثالثة حيث الداخلى، ويعمل عليها عامل واحد، ثم تأتى المرحلة الأخيرة المتمثلة فى التغليف والتعبئة. لم يكن طريق النجاح خالياً من الأزمات بالنسبة لـ«طارق»، وأكبرها بالنسبة له حسب حديثه تتمثل فى صعوبة الحصول على التراخيص اللازمة للعمل، والتى تساعده على التوسع فى نشاطاته وفتح باب التصدير للخارج، مضيفاً: «ناس غيرنا كانوا هربوا من التراخيص عشان الضرايب، بس إحنا من ساعة ما عملنا المصنع وإحنا بنحاول نرخصه ومش عارفين، وآخر حاجة المحافظة قالت المكان لا يصلح رغم إن هيئة التنمية الصناعية مكانتش عايزة غير إنها تعرف إحنا شغالين من إمتى وفيه جدية فى الإنتاج ولا لأ.. ناس زينا المفروض إنهم يدعمونا ويساعدونا فى إننا نكبر الشغل عشان نقدر ننافس المنتج الأجنبى ونقدر نصدر شغل بره مصر، لأننا وقفنا تصدير عشان مكناش بنعرف ناخد دعم صادرات».


مواضيع متعلقة