استحلاء السفاهات.. الاعتداء على المفتى السابق مثالاً
ما حدث فى كلية «دار العلوم» من اعتداء لفظى فاحش بالأم على المفتى السابق يؤكد أن الانفلات الأخلاقى فى نسخته الملفوفة بثوب الشريعة وصل إلى أعلى صوره، وما يذهب من منظومة الأخلاق لا يكاد يعود.
وأظن أنه منذ نشأت جامعة القاهرة لم يخرج مثل هذا الإسفاف والبذاءة والقبح بهذه الصورة ولا بأقل منها كما خرج من طلاب الإخوان فى حق الدكتور على جمعة، وهكذا لا تترك الجماعة فرصة تثبت وضاعتها إلا فعلتها، ولا يختلف أصولى (يعنى رجل أصيل ابن بلد) على أن ما حدث نقص وليس بطولة، لأن أياً من الصبيان يستطيع فعله مع الغفير أو الرئيس.
وأذكر أنه بعد تشييع جنازة المرحوم جمال البنا رأيت شخصاً غاضباً (كان أمياً وليس جامعياً) يتقدم بعنف نحو د. عصام العريان وكاد يمسح به بلاط الأرض من شدة ثورته، لولا تدخل الدكتور عمار على حسن بقفشات كان العريان خلالها قد انصرف سريعاً، واتُّفق أن ما كاد يحدث مع العريان بذاءة بلا خلاف.
ولو كان التناقض فى الرأى يؤدى إلى الاعتداء والسب بالأمهات فلنجهز ألسنتنا بأسوأ القول وأعفنه، وشر الحديث وأسفله، وأحقر الشتم وأرذله، لنسبّ ونهتك عرض والدة المسلمانى وجويدة ومعتز عبدالفتاح وغيرهم.
ليست المشكلة فى قلةٍ من «غلمان» الجامعة، فأكثر الطلاب رضعوا لبان احترام الكبير منذ الصغر وإن اختلفوا معه، لكن المشكلة فيمن رضى بهذه السفالات والبذاءات وفرح بها، ضارباً عرض الحائط بأخلاق النبوة ومستلزمات الرجولة، ولا أدرى أى رجولة ونخوة وإنسانية باقية لدى شخص يفرح عندما يسمع أشخاصاً يقولون لعالم تجاوز الستين «يا ابن الكلب!! يا ابن... أمك... وأمك كانت... وهات أمك وأنا...»؟ إنهم يفعلون باسم الشريعة نفس ما كان يفعله «الكفار» من تسليط الصبيان على رسول الله، مع فرق أن الرجل ليس نبياً وهم ليسوا كفاراً، لكن العجيب أن هذه الأفعال خرجت ممن يتصدرون أسنمة التصحيح لأخلاق الشباب والفتيات فى الجامعة.
وكم عالمٍ متفضلٍ قد سبّه /// من لا يُساوى حبة فى علمهِ
البحر تعلو فوقه جيف الفلا/// والـدرُّ مطمورٌ بأسفل رملهِ
إنى أعارض القول بأن هذه البذاءات وقعت بتوجيهات من قيادات الإخوان، لكن ما أعتقده هو قيام الجماعة بتغذية شبابها بخطاب عصبى متشنج يؤدى حتماً إلى هذه التصرفات، وربما السؤال الأهم: كيف أفلحت قيادات الإخوان فى تحويل بعض أبناء العائلات المحترمة وشباب الجامعات وأولاد الأصول إلى حالة أقرب لأولاد الشوارع؟ هذا يقال أيضاً لمن اعتدوا على البرادعى وبديع والبدوى وصبحى صالح وغيرهم.
على أن ما حدث بمقاييس النصر والهزيمة انتهى بهزيمة الإخوان وانتصار المفتى، فمن ناحية جعل بعض الغاضبين من المفتى بسبب آرائه السابقة يتعاطفون معه، لأن الأخلاق عندهم علت وارتفعت وسبقت السياسية، ومن ناحية أخرى أتم المفتى مناقشة الماجستير للنهاية، وأخيراً أكدت الجريمة على انطفاء فكرة «الأخلاق» لدى شباب الجماعة تماماً.
وإننى أدعو فضيلته للتدخل للعفو عن هؤلاء الطلاب إذا أضيروا فى شىء، كما فعلها مع الحوينى، وأؤكد أن المحظور هو الإتيان بالبذاءات والسفاهات واستحلالها واستحلائها والرضا بمن فعلها، وليس عيباً معارضة اختيارات المفتى ولو من تلاميذه كما يزعم بعض المتعصبين له طالما كان بأدب، وهذا شىء يسره وهو من قوام منهجه، وأختم برد فضيلته الهادئ على سبّه بوالدته حينما قال: «أؤكد أن هذه إلى زوال»، ولا أعلم هل يقصد بالإشارة تلك الأخلاق المتدنية؟ أم يقصد التوجهات الأيديولوجية الحاضنة لهذه الأخلاق؟ أم يقصدهما معا؟ أجْمِلْ بها كلمة، والأيام ستجيب.