شهادة من داخل الأزهر!
- أروقة الأزهر
- أكاديمية الشرطة
- الأزهر الشريف
- الأفكار المنحرفة
- الأكثر احتياجا
- الإمام الأكبر
- الفترة الأخيرة
- الفكر السلفى
- حوار صحفى
- آلة
- أروقة الأزهر
- أكاديمية الشرطة
- الأزهر الشريف
- الأفكار المنحرفة
- الأكثر احتياجا
- الإمام الأكبر
- الفترة الأخيرة
- الفكر السلفى
- حوار صحفى
- آلة
لحكمة ما، اختارنى القدر دون العديد من زملائى، لأقترب من مؤسستين مهمتين أحاط بهما كثير من الجدل خلال الفترة الأخيرة: الأزهر الشريف الذى أحاور شيخه الجليل فى شهر رمضان للعام الثالث على التوالى، وأكاديمية الشرطة التى أدرّب ضباطها من جميع الرتب والقطاعات منذ أوائل عام 2015 على مهارات التعامل مع الإعلام، وتحسين الصورة الذهنية لرجل الأمن.
ومهما التزمت العمق والتفصيل فى توثيق التجربتين، فلن أبلغ الدقة الكاملة فى وصف ما اكتسبته منهما على المستوى المهنى والفكرى والإنسانى من فوائد، لم أكن لأحلم بها إذا بقيت معتمداً فقط على روايات الآخرين، دون أن أكلف نفسى عناء الاقتراب!
لعل الأكثر احتياجاً إلى شهادتى من المؤسستين الآن هو الأزهر، الذى يتعرّض هو ورجاله منذ فترة لحملة شرسة، لا يفهم أحد نواياها ولا مآربها، ولا من يحرّض عليها ويجنّد لها الأقلام ويخصّص المساحات ويصطنع الأوهام.. عنوان هذه الحملة هو الادعاء بأن الأزهر دولة داخل الدولة، وأنه يغرس فى عقول طلابه بذور الفكر السلفى المتشدّد، وأن مستشارى الإمام محاطون بعلامات الاستفهام، وأن الإمام هو شخص عابس الوجه، متصلب الرأى، حامٍ للفساد، منغلق الفكر، كاره للتنوير!
كان يمكن أن أؤثر الصمت وأنأى بنفسى عن معركة لست طرفاً فيها، وإن طالنى بعض الضرر منها، لو لم أقض ساعات طويلة فى مكتب فضيلة الإمام، اقتربت خلالها من شخصيته، وخالطت مستشاريه وموظفيه، فلمست منهم عكس ما يروّج له حرفياً.
ولأن من يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه، أقدّم فى هذه السطور شهادتى وردّى، من واقع حواراتى مع فضيلة الإمام، وملاحظتى لنهجه فى الإدارة، ومراقبتى لسلوك معاونيه، لعل هذه الشهادة المنزّهة عن المصلحة، المتجرّدة عن الهوى، تدفع الصادقين فى نواياهم إلى مراجعة أنفسهم، وتحفّزهم على البحث والتعلم وإعمال العقل، وتشجّعهم على الاقتراب والتواصل المباشر، وتذكرهم بأن أمتنا بحاجة إلى دعم ومساندة صرح قوى يجمع شتاتها كالأزهر، بدلاً من إضعافه ونسف إنجازاته وتشويه سمعته.
أولاً: خلال العامين اللذيْن تيسر لى خلالهما الاقتراب من الإمام الأكبر، أدركت ما الذى يعنيه أن يتمسّك الأزهر طوال ألف عام من تاريخه بالمذهب الأشعرى.. فهذا المذهب الذى أسّسه أبوالحسن الأشعرى فى القرن الثالث أو الرابع الهجرى، هو خير تجسيد لوسطية واعتدال ويسر وبساطة الدين، واحترام التنوّع فى الآراء، والحث على إعمال العقل، والإيمان المستند إلى الاقتناع والفهم، ومحاربة الجمود والتعصّب، والرد بالأدلة والبراهين على المكائد والأفكار المنحرفة بشأن الإسلام.. كل ذلك لمسته فى فضيلة الإمام ومعاونيه.. فأنا الذى عشت خارج مصر أكثر من عشر سنوات، زُرت خلالها ما يزيد على خمسين دولة، لم يخالجنى مطلقاً وأنا داخل أروقة الأزهر أى إحساس بالضيق من قيود على الفكر أو انخفاض فى سقف الحرية أو فرض خطوط حمراء على أى نقاش، دينى أو غير دينى.. بل نجح إمام الأزهر فى أن يجعلنى فى حالة دهشة دائمة من انفتاحه وثقافته وعلمه وبساطته.
ثانياً: يبدو أن جنود المعركة ضد الأزهر قد صادفونى فى طريق زحفهم، فآثروا إلا أن يصيبونى ببعض سهامهم، رغم أننى لست طرفاً فى أى معركة، ولا أحب أن أكون.. بل على العكس، كنت دائماً شديد الحرص على أن أكون خير نائب لزملائى فى تفنيد أفكارهم وهواجسهم مع فضيلة الإمام، وأن أصون فى الوقت ذاته عقيدتى المهنية التى تلزمنى بالاستقلالية والأمانة والتوازن.. إلا أننى لاحظت أن إحدى الزميلات المتفرّغات لهذه المعركة غير المفهومة أصرّت أكثر من مرة على إقحام اسمى فى مقالاتها ضد الأزهر، والاستشهاد بحوار عابر وحيد دار بينى وبينها فى أحد المؤتمرات منذ عام، سألتنى فيه عمن يمول الأنشطة الإعلامية للأزهر، فأشرت إلى أن برنامج (الإمام الطيب) تنتجه شركة إماراتية من خلال فريقها فى مصر، وهذه معلومة موثقة فى تيتر البرنامج وليست سراً.. وقد أكد لى مسئولو الأزهر فى عدة مناسبات، أنهم لا يقبلون أى تبرّعات نقدية من أى جهة على الإطلاق، حفاظاً على استقلالية الأزهر وترفعه، وبالتالى لا يستفيد الأزهر مليماً واحداً من عائد إنتاج هذا البرنامج، كما أن الإمام لا يتقاضى عنه أى أجر!
لكن الزميلة دأبت على المقارنة بين الإمكانات الإعلامية لمؤسسة الأزهر، التى تدّعى بأنها ضخمة، استناداً إلى كون شركة إنتاج البرنامج إماراتية، وضعف الآلة الإعلامية التى يملكها منتقدو الأزهر، والتى تتمثّل فقط فى «كلمتهم»، على حد تعبير الزميلة! ولا يخفى على أحد ما يُراد الإيحاء به من هذه المقارنة المغلوطة، خصوصاً حين تأتى فى شكل رسالة استغاثة بالرئيس، كى ينصف الطرف الأضعف، الذى يزعم أن هدفه البرىء من تلك الحرب على الأزهر هو مساندة الدولة فى حربها على الإرهاب!! دون أن يعى ويفهم أن الأزهر نفسه هو أقوى سلاح ضد الإرهاب!
ثالثاً: استخدمت الزميلة اسمى مرة أخرى فى حوار صحفى، زعمت فيه أننى عرضت عليها مقابلة شيخ الأزهر، لكنها رفضت! وفى هذا الادعاء عدة مغالطات، أبرزها أن فضيلة الإمام لا يغلق بابه فى وجه أحد، وهو ما يجعلنى أشجع الجميع على التواصل معه والاقتراب منه للتعرّف على أفكاره مباشرة دون وسطاء، بدلاً من الوقوع فى أسر صورة ذهنية معاكسة للواقع، ومحاسبته عليها.. وهذه الدعوة هى فى العادة ختام كل حديث لى مع أحد منتقدى الأزهر، وهناك فارق كبير بين أن أشجع على التواصل المباشر مع المصدر، الذى هو من صُلب عمل الصحفى، وأن أعرض على أحدهم «الجلوس مع شيخ الأزهر»، وكأننى أصالح بين ندّين، كل منهما نظير للآخر، وهذا لم يحدث ولا يليق أن يحدث، احتراماً لمقام الإمام الذى يمثل أعلى مرجعية سنية فى العالم.. والأدهى من افتراض الندية، هو ادعاء رفض العرض المزعوم، وبهذا يكتمل دور البطولة الذى تنسبه الزميلة إلى نفسها، رغم أن من أبرز مآخذها على الأزهر اتهامه بعدم الاستماع إلى الآخر، وعدم قبول الجدال أو النقاش! فكيف تنتقد الزميلة على الطرف الآخر سلوكاً، بينما هى نفسها تمارسه؟ هذا بافتراض أن القصة برمتها حقيقية، وليست من نسج الخيال!