«الدبلوماسية الأوروبية» و«الرئاسية الأمريكية».. مسامير نعش علاقات «موسكو» والغرب

كتب: نادية الدكرورى

«الدبلوماسية الأوروبية» و«الرئاسية الأمريكية».. مسامير نعش علاقات «موسكو» والغرب

«الدبلوماسية الأوروبية» و«الرئاسية الأمريكية».. مسامير نعش علاقات «موسكو» والغرب

تتجه العلاقات بين روسيا والغرب نحو مزيد من التوتر بعد توجه الغرب نحو خيار فرض العقوبات على الجانب الروسى، ليبدأ ميراث جديد فى تدهور العلاقات الروسية الغربية، التى شهدت العديد من التوترات طيلة العقود الثلاثة الماضية، بلغت ذروتها خلال الأزمة الأوكرانية قبل أكثر من عامين، عكستها الرغبة الغربية فى معاقبة روسيا على دعمها الانفصاليين الأوكرانيين، وضمها شبه جزيرة القرم، ودفعت روسيا فى المقابل برفع عدد قواتها فى سوريا لحماية آخر موطئ قدم بالشرق الأوسط بعد وصول علاقاتها مع الغرب لمرحلة «الحضيض»، وينظر عدد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لأزمة تسميم العميل الروسى باعتبارها تهديداً حقيقياً للأمن الأوروبى، عكسه بيان إدانة جماعى من الدول الثلاث صدر فى أعقاب الأزمة، كأول موقف أوروبى جماعى ضد موسكو منذ انتهاء الحرب الباردة، وتشير التقارير الأولية إلى أن غاز أعصاب مخصصاً للأغراض العسكرية «نوفيتشوك»، أحد الغازات الكيماوية التى استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية، يمثل أول هجوم تشهده دولة أوروبية باستخدام هذا الغاز منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945، ومع تفاقم التوتر الدبلوماسى، تبادلت موسكو ولندن الإهانات والاتهامات، إذ قال وزير الدفاع البريطانى، غافين ويليامسون، إن «روسيا يجب أن تختفى وتصمت»، فردت وزارة الدفاع الروسية بالقول إنه عقيم فكرياً، وقال وزير الخارجية الروسى، سيرغى لافروف، إن «ويليامسون ينقصه التهذيب».

{long_qoute_1}

«لن تصل لمستوى حرب باردة جديدة»، هكذا استبعدت الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذ العلاقات الدولية والمتخصصة فى الشأن الروسى، أن تؤدى العقوبات الدبلوماسية ما بين بريطانيا وروسيا لهذا النوع من الحروب ثانية، لافتة إلى أن ظروف إشعال الحروب الباردة ترتبط بالأيديولوجيات فى العادة، وأن الأزمة الأخيرة تأتى فى ظل قلق أمريكى بريطانى بسبب تصاعد الدور الروسى خلال الفترة الأخيرة بالشرق الأوسط.

لفتت «نورهان»، فى تصريحات لـ«الوطن» إلى أنه من الصعب ضلوع روسيا فى محاولة قتل العميل الروسى، لعدد من الشواهد، أبرزها أن العميل كان موجوداً فى روسيا لمدة ست سنوات قبل عملية تبادل الجواسيس مع بريطانيا، وكان من الممكن التخلص منه حينها، بجانب أن التوقيت الذى حدثت فيه محاولة القتل لم يكن فى صالح روسيا التى تبدأ اليوم انتخابات الرئاسة، وهو ما يجعل الأصابع تتجه نحو حكومة تيريزا ماى البريطانية بضلوعها فى تدبير محاولة القتل فى محاولة لإثارة الفوضى فى ظل وجود مؤشرات بنجاح الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» لست سنوات مقبلة، ما يزيد من استمرار الوجود الروسى المتصاعد بالمنطقة.

أضافت «نورهان» أن إخفاقات الحكومة البريطانية الأخيرة تدفع بوضع الشكوك حول تدبير عملية اغتيال العميل الروسى، فى محاولة لإعادة تسليط الأضواء عليها بعد «البريكست»، الخروج من الاتحاد الأوروبى، بالإضافة لتحجيم المكاسب الاقتصادية التى من الممكن أن يجنيها الاقتصاد الروسى فى حال تنظيم كأس العالم واتجاه العديد من البريطانيين، المعروف عنهم شغفهم بالرياضة، إلى روسيا.

{long_qoute_2}

«لن تخرج بعقوبات جديدة»، هكذا توقعت «نورهان» قرارات القمة الأوروبية المقرر انعقادها خلال أيام فى بروكسل، التى تناقش الأزمة الروسية البريطانية الأخيرة، لافتة إلى أن ألمانيا أشارت لضرورة إشراك روسيا فى التحقيقات التى تجرى بشأن تسميم العميل، فى إشارة لغياب أى نية لتصعيد أوروبى تجاه روسيا.

توتر العلاقات الروسية الغربية شهد تصاعداً فى وقت سابق من هذا العام، وكان مع تحريك كرة الثلج التى أطلقها عدد من المؤسسات الأمريكية، أبرزها وكالة المخابرات الأمريكية المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالى، والوكالة الوطنية للأمن القومى، بصدور تقرير يشير إلى أن هناك «ثقة عالية»، بحسب وصف التقرير، فى وجود حملة شنتها الحكومة الروسية للتأثير على الانتخابات الأخيرة بهدف الإضرار بحملة المرشحة السابقة فى انتخابات الرئاسة، هيلارى كلينتون، وأن الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، وحكومته أبديا تفضيلاً واضحاً لفوز الرئيس المنتخب «ترامب»، رغم نفى روسيا هذه الادعاءات.

وقدم مسئولو الأمن الداخلى الأمريكى ما يفيد بتسلل أفراد ذى صلة بالكرملين الروسى إلى أنظمة الحاسب الآلى المرتبطة بالانتخابات الرئاسية فى أكثر من عشرين دولة، وجاءت الحبكة الدرامية بإعلان المستشار الخاص الأمريكى الذى يحقق فى التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية منذ عام 2016، روبرت مولر، اتهام 16 مؤسسة روسية بارتكاب جرائم مرتبطة بمحاولة التدخل فى النظام السياسى الأمريكى بما فى ذلك انتخابات الرئاسة الأخيرة، تشمل تنظيم حملات إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعى لدعم «ترامب»، قادها كيان روسى معروف باسم «وكالة أبحاث الإنترنت» (إيرا)، وذلك باستئجار المئات لنشر قصص إخبارية كاذبة، بجانب استخدام وسائل الإعلام الروسية للإضرار بـ«هيلارى»، والتركيز على القضية التى أثيرت حول رسائل البريد الإلكترونى الخاصة المسربة، واتهامها بالفساد، وضعف الصحة البدنية والعقلية، وعلاقاتها بالتطرف الدينى.

وفى الوقت نفسه، تقول السلطات الأمريكية إن عملاء روسيين اخترقوا أنظمة كمبيوتر مرتبطة بكل من الأحزاب السياسية الأمريكية الرئيسية. ويعتقد أنهم سرقوا الآلاف من رسائل البريد الإلكترونى من الشخصيات البارزة فى الحزب الديمقراطى فى أوائل عام 2016 وسربوها على الإنترنت قبل أسابيع من انعقاد المؤتمر الوطنى للحزب فى يوليو، والعديد من التحقيقات تجرى حالياً بشأن التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية، أبرزها تحقيق «مولر»، وهو تحقيق جنائى رفيع المستوى من وزارة العدل، يعطى صلاحيات بدراسة أى روابط أو تنسيق بين حملة «ترامب» الرئاسية، والحكومة الروسية، والتهم الموجهة تتمثل فى ارتكاب جرائم فيدرالية.

{long_qoute_3}

وفى نفس الوقت بدأت كل من لجنة المخابرات الأمريكية ومجلس الشيوخ الأمريكى واللجنة الفرعية للقضاء على الجريمة والإرهاب التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكى التحقيق فى تدخل روسيا فى الانتخابات، وفى حين أن تحقيقات الكونجرس قد تجلب معلومات جديدة للضوء، فإنها لا تؤدى إلى الملاحقات الجنائية، إلا فى حالة رفض الشاهد الامتثال لأمر استدعاء أو الكذب تحت القسم، غير أنها يمكن أن تؤدى إلى تشريعات أو إجراءات أخرى فى الكونجرس، بما فى ذلك الإقالة.

ومن الناحية القانونية، فإن السؤال الأساسى ليس ما إذا كان أعضاء حملة ترامب قد نسقوا أو تواطأوا مع روسيا، ولكن ما إذا كانوا يتآمرون مع الروس لكسر قانون جنائى أو أنهم كسروا القانون بأنفسهم، على سبيل المثال، سوف يسأل المحققون ما إذا كان أى عضو فى حملة ترامب يتآمر مع عملاء روس لاختراق حسابات البريد الإلكترونى للجنة الوطنية الديمقراطية (دنك)، التى من شأنها أن تشكل انتهاكاً لقانون الاحتيال وإساءة استخدام الحاسب الآلى، و«التواطؤ» و«التنسيق» ليسا شرطين ذات صلة قانوناً، ولكنهما غالباً ما يستخدمان كاختزال للإشارة إلى مثل هذه المؤامرة الجنائية.

وجاء فى لائحة الاتهام الصادرة عن المحامى الخاص فى عام 2018، التى حصلت «الوطن» على نسخة منها، أن الروس الذين يتظاهرون كأشخاص أمريكيين تواصلوا مع أشخاص مرتبطين بحملة ترامب ومع نشطاء سياسيين آخرين سعياً لتنسيق الأنشطة السياسية، ويحظر القانون الأمريكى على الرعايا الأجانب القيام ببعض النفقات أو المصروفات المالية بغرض التأثير على الانتخابات الأمريكية، كما يحظر القانون وكلاء أى كيان أجنبى من الانخراط فى أنشطة سياسية داخل الولايات المتحدة دون تسجيل مسبق لدى النائب العام.

وبمجرد أن يكمل «مولر» تحقيقاته، التى قد تستغرق عدة أشهر أو حتى سنوات، يتوجب عليه تقديم تقرير سرى إلى المدعى العام الأمريكى يشرح من خلاله قراراته بشأن ما إذا كان ينبغى مقاضاة المتهمين.

كان الرد الروسى على الادعاءات الأمريكية يوحى بالسخرية وفقاً للتصريحات الأخيرة للرئيس فلاديمير بوتين، التى طالب خلالها السلطات الأمريكية بتقديم طلب رسمى موثق إلى النيابة العامة الروسية، وأضاف قائلاً: «من المفروض أن يكون لديكم أشخاص يحملون شهادات فى الحقوق، وعلى الذين حصلوا على التعليم الجيد أن يدركوا حقيقة أننا فى روسيا لا يمكننا محاكمة من لم ينتهك القوانين الروسية، عليكم أن تدركوا كذلك، أنه لا بد من اللجوء إلى النيابة العامة الروسية، أعطونا الوثائق المدينة وحرروا طلباً رسمياً بشكواكم!»

وفى محاولة لحماية انتخابات التجديد النصفى المقبلة، أعلن البيت الأبيض انتهاج ما وصفه بـ«سياسة صارمة» تجاه أى تدخل روسى محتمل فى الانتخابات الأمريكية المستقبلية. «ليس بجديد»، هكذا وصف الدكتور خليل أبراش، أستاذ العلوم السياسية ووزير الثقافة الفلسطينى الأسبق، التدخل المتبادل بين روسيا وأمريكا فى الحياة السياسية، فى ضوء ما أثير عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لافتاً، فى تصريحات لـ«الوطن»، إلى أن الصراع القديم بين البلدين يطل من جديد خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الداخل الأمريكى يحاول تحجيم الرئيس الأمريكى من خلال إثارة عدد من الملفات بعضها ما يتعلق بحياته الشخصية، وشبهات تورطه فى فساد أخلاقى، وأخيراً التدخل الروسى لفوزه.

يقلل «أبراش» من احتمالية تأثر فترة ولاية الرئيس الأمريكى أو انتخابات التجديد النصفى المقبلة بالتحقيقات التى تجرى حالياً فى وزارة العدل، ولا تعدو كونها «مناكفة» بين الحزبين الرئيسين فى أمريكا (الديمقراطى والجمهورى).

ويتوقع صبحى غندور، مدير «مركز الحوار العربى» فى واشنطن، أن يتقدم «ترامب» باستقالته بعد توصل تحقيقات «مولر» لإدانة قادة الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكى، وخيار الاستقالة سيكون بديلاً عن قرار العزل من داخل الكونجرس مثلما حدث مع الرئيس الأمريكى، ريتشارد نيكسون، خلال حملته الانتخابية عام 1972 بشأن فضيحة التجسس المعروفة باسم «ووترجيت»، واستمرت التحقيقات فى هذه القضية لأكثر من عامين اضطر بعدها نيكسون للاستقالة.


مواضيع متعلقة