القرية المصرية الجديدة
لم تعد القرية المصرية كما عهدناها فى طفولتنا وشبابنا، فقد شهد الريف المصرى تغييرات كبرى خلال السنوات الأربعين الأخيرة.
تغير التركيب السكانى للقرية المصرية ولم تعد أغلبية السكان من الفلاحين سواء كانوا عمالاً زراعيين أو مستأجرين أو صغار الملاك، وإلى جوارهم عدد محدود من المتعلمين. لم تعد مساكن القرية من الطوب اللبن أو من طابق واحد أو طابقين على الأكثر، ولم يعد الدخل الأساسى يأتى من الزراعة. لم تعد القرية مكاناً هادئاً لا يعرف السهر يسوده الظلام عندما يحل الليل، اللهم إلا أنوراً متناثرة تنبعث من بيوت الأغنياء. أصبحت القرية المصرية أشبه بالمدينة الصغيرة، أعاد أبناؤها بناء منازلها بالطوب الأحمر والخرسانة من عائد عملهم فى العراق وليبيا والخليج، ونظم سكان القرى حملات بالجهود الذاتية ومن أموالهم الخاصة لإقامة المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب وتزويد القرية بمياه الشرب النقية وشبكات الكهرباء، نعم ساهمت الدولة فى تكاليف إنشاء هذه الخدمات ولكن الجزء الأكبر من التكلفة تحمله أبناء القرية. وبعد أن كان المتعلمون من أبناء القرية يهجرونها إلى المدينة بحثاً عن العمل الدائم توفرت فرص العمل فى وحدات الخدمات ليواصلوا الإقامة فى القرية، كما أن غيرهم وجد فرصة العمل فى أقرب المدن إليهم والسفر يومياً إلى مقر عمله. ومع إنشاء الجامعات الإقليمية أتيحت الفرصة للطلاب فى السفر يومياً إلى مقر الجامعة مع ضمان الإقامة مع أسرهم. وهناك أيضاً شريحة أخرى استوطنت القرية هم عمال المصانع التى أقيمت بالمدن على امتداد الوجه البحرى ومعظم أنحاء الصعيد.
وهكذا أصبح الفلاحون أقلية فى القرية المصرية الجديدة، وتراجع عدد العمال الزراعيين ليحل محلهم أصحاب الورش التى أنشأها الشباب العائد من الدول العربية، وكذلك العاملون على الآلات الزراعية. لم تعد القرية سكناً للفلاحين فقط بل أصبحت أغلبية سكانها من الموظفين وطلاب الجامعات والعمال. ونتيجة لذلك لم يعد دخل سكان القرية يأتى من بيع المحاصيل الزراعية أو تربية المواشى بل من مصادر غير زراعية. وهكذا تحولت القرية المصرية المعاصرة إلى مدينة صغيرة مع احتفاظ سكانها بعاداتهم القديمة وتقاليدهم الدينية والثقافية ودون أن يطرأ تغيير يذكر على البنية الثقافية للقرية المصرية، ولم يكن غريباً نتيجة لهذا أن تتغلغل أفكار السلفيين فى القرية، ولم يعد هناك مجال للحديث عن التمدن كما كان يقال فى الماضى فى عشرينات أو ثلاثينات القرن العشرين. حدث هذا كله دون أن تهتم النخبة السياسية المصرية أو النخبة الثقافية المصرية أو مراكز البحث العلمية بهذه التطورات التى شهدتها القرية المصرية وكيف يمكن التعامل معها بما يتناسب مع معطيات العصر فى القرن الواحد والعشرين. ولم يكن غريباً نتيجة لهذا كله ألا نجد للأحزاب السياسية وجوداً يذكر فى القرية المصرية سواء كانت أحزاباً ليبرالية أو أحزاباً قومية أو أحزاباً يسارية. الموجود فقط هو الجماعات الدينية. ولم يتغير الحال كثيراً بعد ثورة 25 يناير. حيث أنشئت عشرات الأحزاب السياسية الجديدة دون أن يكون لها وجود يذكر فى الريف المصرى. فهل تتدارك النخبة أمرها وتعيد الأحزاب السياسية النظر فى مواقفها وتخطيطها لنشاطها وتسعى للتواصل مع هذا الجزء من المجتمع المصرى الذى يمكن أن يمد الحياة السياسية بروافد جديدة ويتفاعل مع القضايا الكبرى والآمال الكبرى التى طرحتها ثورة 25 يناير على الشعب المصرى؟