لقاء «ترامب وكيم».. الفشل أكثر احتمالاً
- أسلحة نووية
- اتفاقيات دولية
- الأسلحة النووية
- الأطراف المتحاربة
- الأطراف المعنية
- الأمم المتحدة
- الأمن القومى
- الإنتاج الصناعى
- الاقتصادات العالمية
- آسيا
- أسلحة نووية
- اتفاقيات دولية
- الأسلحة النووية
- الأطراف المتحاربة
- الأطراف المعنية
- الأمم المتحدة
- الأمن القومى
- الإنتاج الصناعى
- الاقتصادات العالمية
- آسيا
من السمات التى يدعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الافتخار بها، أنه مفاوض بارع، قادر على تحقيق أهدافه بأقل الجهود الممكنة، وغالباً هذا الأمر صحيح فى مجال الإنشاءات العقارية وأمور البيع بالتجزئة والتحالفات بين شركات تسعى معاً من أجل الفوز بصفقة محلية أو دولية، فهذا هو المجال الرئيسى الذى اكتسب خلاله الرئيس ترامب شهرته الرئيسية قبل وصوله إلى سدة الرئاسة، والتى منحته أيضاً أسباب الثراء والنفوذ المالى، أما المفاوضات بين الدول بشأن قضايا مصيرية تتعلق بالحرب والسلام، فمسألة أخرى تماماً، إنها ليست مجرد صفقة تجارية يمكن تحمل نتائج خسارتها وتعوضها لاحقاً، أو مجرد مفاوضات تمهيدية لبناء تحالف من أجل هدف ما، إنها مفاوضات من أجل البقاء بكل ما تعنيه هذه الكلمة، أو الفناء والاندثار، هنا تكون المؤسسات وليس الأشخاص هى المسئولة عن الاختيار ومسئولة أمام البشرية والتاريخ عن النتائج المحتملة.
لقد مر عام كامل تفاعلت فيه الولايات المتحدة من خلال تغريدات الرئيس ترامب الجادة والساخرة ونظيره الزعيم الكورى الشمالى كيم جون أون، بدا لكثير من المحللين أن احتمال خوض حرب نووية فى شبه الجزيرة الكورية أصبح قريباً جداً، وسواء استعملت فيها ما يُعرف بالقنابل النووية التكتيكية صغيرة الحجم ومحدودة التأثير الجغرافى فى الضربات الأولى، أو اتخذت القرارات المجنونة من أى طرف باستخدام أسلحة نووية تماثل ما استخدمه الأمريكيون فى هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ستين عاماً، فإن النتيجة كارثية إنسانياً واقتصادياً فى الحالتين، على الأطراف المتحاربة ومن ورائهم العالم بأسره، لا سيما أن منطقة جنوب شرق آسيا والمُعرضة لخطر حرب نووية تكون فيها الولايات المتحدة الطرف البادئ تتضمن عدداً من كبريات الاقتصادات العالمية، التى تنتج بدورها نسبة عالية للغاية من الإنتاج الصناعى والتكنولوجى العالمى يعد جزءاً مهماً من الحياة اليومية لكل العالم تقريباً، وأعتقد أن هذه النتائج الكارثية المتوقعة لعبت دوراً مهماً فى تغير إدراك وسلوك الطرفين الرئيسيين؛ واشنطن بقيادة ترامب، وبيونج يانج بقيادة كيم أون، لقبول فكرة المفاوضات المباشرة كالمزمع عقدها بين القيادتين فى مايو المقبل، لكنه يظل تغيراً محدوداً إلى أن يتحول إلى سلوك مُعلن ومحصن باتفاقيات دولية ومضمونة من قبل القوى الكبرى والأمم المتحدة معاً، وهنا يطرح السؤال نفسه إلى أى مدى تتوافر تلك المهارة التفاوضية للرئيس ترامب فى مثل هذه القضايا الشائكة؟ لقد كانت مفاجأة عالمية كبرى فى التاسع من مارس الحالى أن يعلن مستشار الأمن القومى للرئيس الكورى الجنوبى بعد لقاء الرئيس ترامب فى البيت الأبيض قبول الأخير دعوة رئيس كوريا الشمالية بالتفاوض من أجل نزع السلاح النووى فى شبه الجزيرة الكورية، واستعداد بيونج يانج وقف التجارب الصاروخية والنووية أثناء التفاوض، جزء من هذه المفاجأة يمكن تفسيره فى ضوء إصرار رئيس كوريا الجنوبية مون جى إن على إيجاد حلول دبلوماسية للقضايا الشائكة المتعلقة بتهديدات جارته الشمالية وتمسكها بتطوير الصواريخ الباليستية والقنابل النووية، فخلفية الرجل تمنحه القوة من أجل منع أى احتمال للحرب ولو عن طريق الخطأ أو القرارات الانفعالية، فهو من مهاجرى كوريا الشمالية قبل ستين عاماً، حين تمكنت والدته من الهرب إلى الجزء الجنوبى من الجزيرة الكورية على متن إحدى السفن التابعة آنذاك للأمم المتحدة، وفى الوقت ذاته يتملكه شعور كبير بالمسئولية تجاه أقارب له فى الشمال يحتاجون إلى المساعدة، وأهل يعيش بينهم فى الجنوب يجب حمايتهم من نتائج الحرب الكارثية، جزء آخر من المفاجأة يتعلق بالرئيس ترامب نفسه، فالرجل يواجه كماً متصاعداً من المشكلات القانونية، سواء تعلقت بمزاعم التدخل الروسى فى الانتخابات، أو التحرش بعدد من السيدات اللاتى رفعن قضايا قانونية أو فى الطريق إلى ذلك، ناهيك عن الفشل فى تحقيق اختراقات كبرى فى الكثير من القضايا التى وعد بها الناخبين الأمريكيين، وربما تصور الرئيس ترامب أن قبوله دعوة اللقاء مع الزعيم الكورى الشمالى قد توفر له فرصة تحقيق إنجاز دولى تعوضه عن الصعوبات والعقبات التى تحيط به فى الداخل الأمريكى.
من الآن وحتى حدوث لقاء القمة فى مايو المقبل يصعب كثيراً توقع اختراق كبير، فالمفاهيم التى ينطلق منها الطرفان تبدو متباعدة تماماً، فالطرح الكورى الشمالى المتعلق بخلو شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية يعنى تنازلاً تبادلياً، أى التخلص من الأسلحة النووية لدى بيونج يانج مقابل خروج القوات الأمريكية بأسلحتها النووية من كوريا الجنوبية، ناهيك عن ضمانات بعدم التدخل فى الشأن الكورى الشمالى، ويبدو أن الرئيس ترامب لا يدرك هذا المعنى جيداً، بل يتصور وفقاً لإحدى تغريداته وكما قالت أيضاً المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن على كوريا الشمالية أن تتخلص أولاً من أسلحتها النووية وأن توقف تجاربها الصاروخية الباليستية، دون أن تحدد ما هو المقابل لذلك، الأكثر من ذلك يصر ترامب على استمرار العقوبات الأمريكية واستمرار التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية قبل وأثناء المفاوضات المنتظرة،
جوهر الموقف الأمريكى لم يتغير، إنه يريد من بيونج يانج أن تقدم كافة فروض الطاعة دون أن تحصل على شىء محدد أو مُعلن بصراحة، وربما لاحقاً تتفضل واشنطن بمنح كوريا الشمالية بعض العوائد غير المحددة، هذا النوع من الشروط الاستعلائية كفيل بأن يقضى تماماً على فكرة المفاوضات ذاتها قبل أن تحدث، فى كافة حالات التفاوض الدولية بشأن قضايا معقدة تطرح دائماً فكرة إجراءات الثقة أولاً قبل بدء أى جولة للتفاوض، من قبيل الامتناع عن التصريحات العنترية، وقيام فرق التفاوض ببحث التفاصيل فى غرف سرية بعيداً عن تدخلات الإعلام فى متابعة التفاصيل التى غالباً ما تتعرض لتغيرات كبرى بعد عدة جولات من المفاوضات وصولاً إلى نقطة وسط ترضى الأطراف المعنية، والمؤكد أن الطرفين الأمريكى والكورى الشمالى لم يبدآ بعد مثل تلك الجولات التفاوضية التمهيدية، فالأمر ما زال محصوراً بدور كوريا الجنوبية مع بعض تدخلات من قبل بكين وموسكو غير معروفة التفاصيل، ولذا فإن استمرار حالة الاستعلاء الأمريكى وتصور أن العقوبات التى فرضتها واشنطن هى السبب فى تغير موقف كوريا الشمالية، سيؤدى إلى فشل المفاوضات جملة وتفصيلاً، المرونة مطلوبة أكثر من واشنطن، أما فرض شروط غير عملية وإطلاق التغريدات المتلونة بين لحظة وأخرى، فيعنى أن خبرة ترامب فى المفاوضات التى يدعيها لا تتناسب مع قضية معقدة بهذا الشكل.