لماذا أخفقنا فى إصلاح الإعلام؟

فى مطلع العام 2014، تم إقرار تعديلات دستورية فى مصر، انسجمت بشكل واضح مع مطالب جماهيرية عبرت عن نفسها بوضوح فى انتفاضتى يناير 2011، ويونيو 2013.

لقد كان إصلاح الإعلام جزءاً من مطالب الانتفاضتين، والحراك السياسى المواكب لهما، كما كان مطلباً جوهرياً للنخب السياسية والمهنية، التى أرادت بناء مشهد إعلامى يستند إلى قواعد الاستقلالية والتعددية والتنوع والالتزام بالقواعد المهنية، فى ظل ممارسة مهنية أثارت كثيراً من الانتقادات والجدل.

وفرت التعديلات الدستورية، التى تم إقرارها فى يناير 2014، إطاراً جيداً لضبط الإعلام والحفاظ على استقلاليته وحريته فى آن واحد. وفى ما تنص المواد 211، و212، و213 على إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهيئتى الصحافة والإعلام الوطنيتين، فإن المواد 65، و68، و70، و71، توفر إطاراً شاملاً للحفاظ على حرية الرأى والتعبير، وضمان حق الحصول على المعلومات، وإلغاء القوانين السالبة للحرية فى جرائم النشر، وضمان استقلالية وسائل الإعلام المملوكة للدولة عن أى سلطة من السلطات.

لقد جرت عملية استيفاء بعض الاستحقاقات التى نص عليها الدستور، لتنظيم المجال الإعلامى، بوتيرة بطيئة، لكنها أثمرت على أى حال مجموعة من القوانين والقرارات التى خطت بهذه الاستحقاقات خطوة إلى الأمام.

فقد صدر القانون رقم 92، تحت اسم «التنظيم المؤسسى للإعلام»، فى شهر ديسمبر من العام 2016؛ وهو القانون الذى اكتفى بالنص على إنشاء الهيئات الإعلامية الثلاث، وتوضيح نطاق صلاحياتها واختصاصاتها؛ وهى: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، المنوط به الإشراف على صناعة الإعلام بجميع أشكالها، والعمل كهيئة ضابطة Regulator، والهيئة الوطنية للصحافة، المنوط بها إدارة وسائل الإعلام المطبوعة المملوكة للدولة (ثمانى مؤسسات صحفية قومية)، والهيئة الوطنية للإعلام، المنوط بها إدارة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية المملوكة للدولة (اتحاد الإذاعة والتليفزيون السابق ERTU).

وصدر أيضاً قانون إنشاء نقابة الإعلاميين، الذى سد فراغاً كبيراً نشأ عن عدم وجود نقابة للإعلاميين العاملين فى وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية، وما استتبعه ذلك من صعوبة إصدار ميثاق شرف إعلامى، يحد من انفلاتات الممارسة، بالنظر إلى أن الدستور يحصر حق إصدار مواثيق الشرف للنقابات المهنية دون سواها.

وفى أبريل من العام 2017، أصدر رئيس الجمهورية القرارات 158، و159، و160، بتشكيل الهيئات الإعلامية الثلاث، حيث يضم مجلس إدارة كل هيئة 13 عضواً، تم اختيارهم بشكل متسق مع الاستحقاقات الدستورية، التى ألزمت المشرع بأن تتوزع صلاحيات اختيار الأعضاء بين رئاسة الجمهورية، ومجلس النواب، ونقابتى الصحفيين والإعلاميين، والمجلس الأعلى للجامعات، ومجلس الدولة، وجهات أخرى.

تعد تلك التطورات القانونية خطوة إلى الأمام فى مجال تنظيم الإعلام المصرى، خصوصاً أنها لم تُثِر اعتراضات بشأن اتساقها مع المطلب الدستورى، وإن ثار بعض الجدل إزاء عملية اختيار أسماء أعضاء تلك الهيئات، لكنه جدل لم يطعن فى دستورية الإجراء. من أهم المكاسب التى حققها المشهد الإعلامى المصرى جراء تلك العملية، أنه بات لدى مصر، لأول مرة فى تاريخها، هيئة ضابطة مستقلة مفترضة، على غرار لجنة الاتصالات الفيدرالية FCC فى الولايات المتحدة، والمجلس الأعلى للإعلام المسموع والمرئى فى فرنسا، ومكتب الاتصالات OFCom فى المملكة المتحدة.

كما بات لدى مصر نقابة للإعلاميين، وإدارة مستقلة مفترضة لوسائل الإعلام المملوكة للدولة، التى كانت تدار سابقاً بواسطة السلطة التنفيذية (كما كان الحال فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون، الذى كان يديره وزير الإعلام، وموظف تنفيذى فى موقع رئيس الاتحاد)، أو بواسطة لجنة منبثقة عن السلطة التشريعية (كما كان الحال فى المجلس الأعلى للصحافة، الذى أنيطت به مهمة إدارة المؤسسات الصحفية القومية، حيث كان يتبع مجلس الشورى قبل إلغائه).

لكن مع ذلك يبدو أن تلك التطورات لم تنجح فى إيصالنا إلى بداية طريق إصلاح الإعلام لعدد من الأسباب؛ منها ما يلى:

أولاً: لقد قامت الدولة، ممثلة فى البرلمان والرئاسة، بإقرار القوانين وإصدار القرارات، ذات الطبيعة التنظيمية البيروقراطية، مثل إنشاء الهيئات والمجالس، وتشكيل مجالس إداراتها، وإنشاء نقابة الإعلاميين، قبل أن تقر بقية القوانين التى لا يمكن توفير الحد الأدنى لشروط الممارسة الإعلامية الرشيدة من دونها؛ مثل القوانين المنظمة لحقوق الإعلاميين وواجباتهم، والتى تصون الحريات؛ ومنها بقية مواد «مشروع القانون الموحد للصحافة والإعلام»، الذى أعدته «اللجنة الوطنية المستقلة للتشريعات الإعلامية»، وقانون حرية تداول المعلومات، والتعديلات القانونية التى تلغى العقوبات السالبة للحرية فى مجال النشر والإذاعة.

ثانياً: لا يبدو أن عدداً من رؤساء وأعضاء الهيئات الجديدة يدركون على نحو مناسب طبيعة أدوار تلك الهيئات ومهامها، خصوصاً أن تلك المهام مستجدة على الواقع المصرى.

ورغم أن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» يفترض به أن يعمل كهيئة مستقلة ضابطة، لصيانة حرية الإعلام، وتنوعه، وتعدده، وترقية مهنية الأداء الإعلامى، فإن رئيس المجلس صرح، فى أكثر من محفل، بأن «المجلس يمارس اختصاصات وزارة الإعلام».

يعكس هذا التصريح، الذى صدر عن رئيس المجلس، فى حوار نشرته «الوطن»، فى 28 أبريل 2017، عدم إدراك لدور المجلس واختصاصاته، ويكرس الشكوك فى تحول عملية إصلاح الإعلام المصرى، التى أرادها الدستور، إلى عملية بيروقراطية، تستبدل أسماء، ولا تستبدل أدواراً وأنساق عمل.

ثالثاً: هدف الدستور، كما نص صراحة، على تحويل وسائل الإعلام المملوكة للدولة (أكثر من 22 قناة تليفزيونية، وعشرات الإذاعات، ونحو 55 صحيفة وموقعاً إلكترونياً) إلى وسائل إعلام مستقلة، ومحايدة، تعمل كساحة لعرض النقاش العام، فى القضايا الوطنية محل الاهتمام، بأقصى درجة من الموضوعية والمهنية.

لكن ما بات واضحاً لنا جميعاً، أن تلك الوسائل ما زالت رهينة لإرادة السلطة التنفيذية، وأن التغييرات التى جرت عليها لم تتخط الشكل إلى المضمون.

يشير ذلك بوضوح إلى عدم إدراك للمقصد الدستورى فى ما يخص تنظيم المجال الإعلامى، وتداخل فى فهم اختصاصات وأدوار الهيئات الجديدة، واستمرار السياسات التى تكرس عدم استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتبقى على تدخل السلطة التنفيذية فى مسارات عملها.

رابعاً: عدم تفعيل الاستحقاقات الدستورية المختصة بضمان التعدد والتنوع، وعدم إعلان الهيئات الإعلامية الجديدة خطط عملها وأكوادها، رغم مرور وقت كافٍ منذ تم تشكيلها.

لقد خطت مصر خطوة إلى الأمام حين أصدرت بعض القوانين المتسقة مع الدستور فى مجال تنظيم الإعلام، لكن تلك الخطوة تبدو بطيئة وغير مكتملة وعرضة للتشكيك والانتقاد.

ولكى تسير عملية الإصلاح فى مسارها الطبيعى، يجب أن تدرك الهيئات الجديدة أدوارها التى نص عليها الدستور والقانون، وأن تكرس استقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وأن يتم استكمال إصدار القوانين التى تتيح الحق فى تداول المعلومات، وتمنع العقوبات السالبة للحرية فى مجال النشر والإذاعة، وتصون حريات الصحفيين والإعلاميين.

كثير من العوار الذى يضرب صناعة الإعلام فى مصر سببه عدم الوفاء بالاستحقاقات الدستورية فى هذا الصدد على نحو أمين، وعدم فهم الهيئات الجديدة لأدوارها، ومحاولة البعض الالتفاف على إرادة إصلاح الإعلام باتخاذ خطوات شكلية تعيد إنتاج الأوضاع السابقة.