الإنسان بين الماضى والحاضر «1 - 2»

رجائى عطية

رجائى عطية

كاتب صحفي

هذه كلمات أكتبها عفو الخاطر، ليس فى ذهنى وأنا أكتب هذه الكلمات ماذا تحديداً سوف أقول.. فقط وجدتنى وأنا أستمع إلى أم كلثوم التى أستعذب شدوها ومعانيه، وجدتنى مشدوداً إلى شجنها وهى تغنى: «عاوزنا نرجع زى زمان، قُلْ للزمان ارجع يا زمان»!!

لغة الحب والشجن لغة موحية، تستقطر المشاعـر والأحاسيس، وتستخرج تضاعيف وأعماق النفوس وحقائق الحياة.. فهل استحالة العودة للزمن الماضى مقصورة فقط على الصفحات التى انطوت بين الأحباب؟! أليس شجن الكلمات يوحى للمتأمل بمعانٍ تتخطى حديث القلوب إلى واقع الحياة؟!

الماضى لا يعود

واقع الحياة أن ما انقضى لا يعود، وأن الإنسان ابن حاضره، قد يطل على ماضيه بعين الرضا أو بعين السخط أو بعيون المراجعة والاتعاظ واستقطار التجربة، ولكنه مشدود إلى المستقبل بما يحوطه من مجاهيل واحتمالات، وبما يتطلع إلى تحقيقه فيه من أمان وآمال.. قد تتكرر الأيام، وتتشابه الحوادث، ولكن اليوم ليس كالأمس، والغد يحمل غير ما شهده اليوم.. والإنسان نفسه وليد أطوار وأحوال، فكما أن الظروف متغيرة، فكذا أحوال الناس.. أنت اليوم غير ما كنته بالأمس، وسوف تكون غداً غير ما أنت عليه اليوم، ولذلك كانت العودة للزمن الماضى ليست مستحيلة فقط على ما ضاع أو فسد بين الأحباب، وإنما هى عصيّة على أى إنسان فى عموم الحياة، لأن استنطاق الماضى محال، والعيش فيه من رابع المستحيلات!

ملاذ الإصلاح فى الحاضر

ما اكتشفه خطاب الحب الضائع، أو الوفاء الذى ولّى، يستعصى أحياناً على من يظنون أن ملاذ الإصلاح هو فى الارتداد إلى الماضى الجميل الذى كان.. هذا الماضى الذى يبدو جميلاً أمام صعاب الحاضر وابتعاد الأمل فى المستقبل، كان (أى هذا الماضى) ابن زمانه ووقته، وبندول الزمن فى حركة وصيرورة دائمة لا تتوقف، تتغير فيها الأحوال والظروف، ويتغير الناس، ويتراجع أحياناً ما كان فى مقدمة الأولويات، ويتقدم ما كان فى ذيل الاهتمامات!

لذلك فمحال أن يعيش الإنسان وهو ابن حاضره فى دنيا أسلافه مهما كانت جميلة أو مبهرة أو براقة.. ولا يعنى هذا أن الماضى خالٍ من القيمة، بل إنه لا غناء للحاضر عن استخلاص عبر الماضى ودروسه.. ولكن ديوان التاريخ ليس محض مشاهد وصور وأشكال، وإنما هو معانٍ وقيم.. وتكرار الصورة على ذات ما كانت عليه شكلاً فى زمانها، قد لا يحقق المعنى أو القيمة التى كانت تعطيها أو تعبر عنها فى أوانها.. ينطبق ذلك على كثير من الصور والمشاهد التى عبرت فى وقتها عن الطهر والزهد والتعفف، ولم تعد فى الحاضر صالحة بمحض شكلها لتحقيق القيمة التى كانت تحققها، بل صارت لهذه القيم ذاتها صور أخرى تصادف أحوال زماننا.

عدسة السلفيين!

والسلفيون ينحصرون فى الصورة ولا يلتفتون إلى المغزى أو المعنى.. ويأخذون الأديان إلى زقاق الانحصار فى الترديدات والمقولات والصيغ والمظاهر والأشكال، ويهملون جوهر الدين وأهم ما فيه من بنية حيّة تنظم بوعى وفهم واستنارة حياة الأحياء، وترعى بعمار الروح وسلامة الضمير وقوة الداخل أحوال وسلوك وتصرفات ومعاملات الناس.

التعامل مع الحاضر ليس خيانة للماضى

التعامل مع الحاضر، والتطلع إلى المستقبل، ليس خيانة للتاريخ الماضى.. فتواصل أمجاد التاريخ لا يتحقق إلّا بالتعامل الواعى الفاهم مع مقتضيات الحاضر ومتوقعات المستقبل، وهذا التعامل مبنى فى جزء كبير ومهم فيه على استقطار صفحات وتجارب وعبر الماضى.. إلّا أن استخلاص ما يحفل به ديوان العبر، لا يعنى أن يرتد الإنسان ليعيش ويلبس ويتصرف كما كان يفعل أجداده فى الزمن الأول.

فى عبارة بسيطة عبّر أسلافنا عن هذه المعانى حين قالوا: «كل وقت وله أذان».. فهل يمكن للزمن أن يعود القهقرى، وهل يمكن أن يعيش أبناء القرن الواحد والعشرين كما كان يعيش أبناء القرن السابع الميلادى؟! فماذا إذن كان حصاد وجدوى هذه القرون؟!

نحن صناع الماضى والحاضر

ينسى السلفيون وأشباههم، بعدم الانتباه والاعتياد، ينسون أننا الذين أقمنا ونقيم ما معنا من معرفة وعلم وفن ودين وأخلاق وحضارة.. لا يغير من هذه الحقيقة أن بدايات الأمور تخالف نهاياتها التى معنا.. تخالفها فى أن البدايات كانت فردية صرف، أما نهاياتها فجماعية مشتركة عامة بناها وشكّلها ما لا حصر له من العقول والنفوس والأقوال والأفعال والأساليب والطرق والأعراف والظروف والأحوال والأمكنة والأزمنة. وهذا فى الواقع الغالب هو سبب وصولها إلينا واعتناقنا لها، ولكننا لا نحب ولا نرضى به، بل نرد كل ما معنا الآن إلى بدايته الأولى الفردية الروحانية المتميزة بفرديتها وروحانيتها، ونجتهد فى إقناع أنفسنا بوثاقة انتمائنا لتلك البدايات بتمجيدنا لها والإكثار من هذا التمجيد فى كل فرصة تتاح.. رغم التسليم بأنها نماذج خاصة نادرة لا يمكن محاكاتها فى زماننا.. وذلك التمجيد يفيد فى الإبقاء على الشعور بالانتماء إلى الدين، والارتباط بأهله.. ولكن ذلك قليل الجدوى فى تنمية الإخلاص والأمانة والاستقامة والالتزام بالفضائل والأخلاق بين الأفراد والجماعات. هذا وشيوع هذا التمجيد يُحْمَل عادةً على أنه يخفف بطريقة ما من عواقب الخطايا والأوزار التى قد تُرتكب. وليس من الهين إقناع عامة الناس وكثير من خاصتهم بحساب وتصور الاختلافات والفروق الضخمة التى بين المجتمعات الحالية، وبين تلك المجتمعات الصغيرة البسيطة التى عاشت منذ قرون فى بدايات العقائد على الرعى أو الزراعة القديمة، وليس من الهين إقناعهم باستحالة رد حياتهم الحالية إلى ذلك الماضى البعيـد، الذى لا نعرف عنه إلّا مقولات متفرقة قـد لا تتفق تماماً مع مدلولاتها عند الماضين.

وهكذا يستبقى البشر بقية من خيوط ماضيهم رغم وهنها وعدم قدرتها على مسايرة حاضرهم ومستقبلهم.. وكلما زادت الأيام فى إظهار ضعفها زادوا هم فى التمسك والاحتفاء بها والحرص على إظهار الاعتزاز بها، ومهما ضاقوا بالامتثال لها!

شتان بين الماضى والحاضر

وشتان ما بين قوة وحرارة المعانى والمشاعر المعاصرة لبدايات الديانات والحضارات، وبين ضعفها وفتورها الآن.. لقد كانت إذ ذاك جديدة يافعة.. ديانة أفراد وأبطال.. فيها إعجاز وإقدام غير مألوفين.. ولم تتعرض بعد لخمول الكثرة وجفافها ومحنها، ولا لطموح القلة وأطماعها وذكائها وبراعتها، ولا أتيح المجال لدفع الناس إلى الاشتغال بالإشكالات والخلافات والمذاهب والنظر والجدل والمحسوس وغير المحسوس والوجود والعدم والمطلق والنسبى ثم بالواقع وغير الواقع والطبيعة وما وراء الطبيعة والوضعى والبشرية والمثالية.

وبمضى الزمن، ووهن المعتقدات، فقدت الألفاظ والقواعد والسلوك والصواب والحق معناها الواحد المتفق عليه بين المتبَّع وبين أتباعه، وفتح ذلك الباب للأفكار المتطرفة البعيدة فى الواقع عن الدين، وإلى ما تفرزه من جنوح وعنف.. لم يعد يكفى أن يقول قائل مهما كان من العقل والعلم والحكمة والأمانة إن هذا هو الدين أو النظام أو الشرع أو الحق، لأن عقول هؤلاء قد التبست أو انحرفت أغراض الغالين منهم، وعلى أيديهم صار العنف هو اللغة، والإرهاب هو الوسيلة.. والغاية أيضاً!

ما بات يجرى الآن كشأن الراقصين على السلم، فهم أخطأوا فهم الماضى وعِبره، وأخطأوا التعامل مع الحاضر ومعطياته، ففاتهم التاريخ، وفاتهم العصر، وخرجوا عن رحاب الدين وعن الواقع الحاضر!