الدين العام لمصر يسجل 108% ووعود حكومية بخفضه لـ90% نهاية 2019

كتب: سيد جبيل

الدين العام لمصر يسجل 108% ووعود حكومية بخفضه لـ90% نهاية 2019

الدين العام لمصر يسجل 108% ووعود حكومية بخفضه لـ90% نهاية 2019

بلغت ذروة إجمالى الدين العام المصرى إلى الناتج المحلى الإجمالى وفقاً لتصريحات صحفية لوزير المالية عمرو الجارحى 108% فى 30 يونيو 2017.. ويشمل الداخلى والخارجى، وهو ما تقدره جهات أخرى بنحو 101٪ فقط، وقدرت وكالة فيتش للتصنيف الائتمانى، مؤخراً حجم الدين الخارجى لمصر بنحو 100 مليار دولار فى نهاية 2017 بعد إضافة استثمارات الأجانب فى أذون الخزانة إلى الدين الخارجى فى تقريرها ليصل إلى 44% من الناتج المحلى الإجمالى، لكن وفقاً لتقديرات آخر بيانات للبنك المركزى فإن الدين الخارجى بلغ نحو 79 مليار دولار فى نهاية يونيو 2017، وذلك على اعتبار أن تعريف الدين الخارجى لا يحسب الدين قصير الأجل مثل أذون الخزانة، ووفقاً لوزير المالية فإن الحكومة تستهدف أن تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى 97% فى 30 يونيو 2018، ثم إلى أقل من 90% فى نهاية العام المالى المقبل.

وينقسم أهل الرأى فى مصر إلى فريقين أساسيين، الأول يحذر من خطورة تزايد الديون خصوصاً الخارجية، والثانى لا يرى أن الأمر وصل بعد إلى مرحلة الخطر ويؤمن أن الديون كانت ضرورة لتنفيذ كل طموحاتنا فى التنمية، ويقول خبير أسواق المال هانى توفيق، أحد الذين يمثلون الفريق الأول، إن الدين الداخلى على نهاية العام المالى الحالى لن يقل عن ٤ تريليونات جنيه وسيسجل الدين الخارجى، بعد البدء فى محطة الضبعة، نحو 105 مليارات دولار، تعادل نحو 1.9 تريليون جنيه، أى إن إجمالى الدين العام لن يقل عن 6.4 تريليون جنيه، ويوضح أن متوسط نصيب كل أسرة فى مصر من هذا الدين (23.9 مليون أسرة) يساوى نحو 250 ألف جنيه، ويقدر فوائد هذه المديونية -إذا كانت 10٪‏ سنوياً فقط فى المتوسط- تساوى 590 مليار جنيه، أى أكثر من كل إجمالى مخصصات الدعم والصحة والتعليم، ويطالب بضرورة إعطاء أولوية قصوى لملف المديونية قبل فوات الأوان.

{long_qoute_1}

فى المقابل يقول الدكتور علاء الشاذلى، أستاذ الاستثمار والتمويل فى جامعة القاهرة، ممثلاً للفريق الثانى، إن الاقتراض لا يمثل مشكلة ما دام يتوافر للمقترض القدرة على السداد، نافياً وجود نسب آمنة محددة مثل الـ60% أو غيرها من إجمالى الناتج المحلى الإجمالى، وأوضح أن المعادلة محسومة: عدم الاقتراض من الخارج يعنى الاعتماد على مصادر التمويل الذاتى، ومع انخفاض معدلات الادخار المحلية، ووجود فجوة كبيرة بين الادخار وحاجتنا للاستثمار، نحتاج للاقتراض لتنفيذ المشروعات المطلوبة، وإذا لم نقترض لن ننفذ هذه المشروعات، وبالتالى سنضحى بفرص نمو وتوظيف وخلق طاقات إنتاجية جديدة أو تأجيلها لمدد طويلة، فبدلاً من تنفيذ مشروع ما فى عامين قد نحتاج لعشرين عاماً حتى نوفر له التمويل الذاتى، وهذا أمر غير مقبول، وتابع «الشاذلى» لـ«الوطن»: صانع القرار يأخذ فى اعتباره أموراً كثيرة حين يلجأ للقرض، أولها الحاجة لهذا المشروع وأهميته، ثانياً جدواه الاقتصادية وقدرته على توليد إيرادات لسداد الديون إلخ، ويضيف: «ما أراه بصفة عامة أن الحكومة موفقة حتى الآن، فهى تمول مشروعات حيوية فى كل الاتجاهات المطلوبة، فهناك المناطق الصناعية على مستوى الجمهورية ومشروع استصلاح 1.5 مليون فدان كمرحلة أولى، والمزارع السمكية، والمشروعات العقارية والخدمية على ساحلى البحرين الأحمر والمتوسط، وعشرات المشروعات الضخمة فى البنية التحتية والطاقة، وكل هذه مشروعات لا يمكن إنكار أهميتها فى هذه المرحلة، وهذا ما فعلته دول أوروبا الغربية بعد الحرب الثانية عندما أقدمت على مشروعات إعادة الإعمار فى كل المجالات، وكانت هذه بداية النهضة، وتساءل: «ثم ما مبررات الخوف من فاتورة الدين الخارجى إذا لم يكن هناك مؤسسة تصنيف ائتمانى واحدة تشكك فى قدرتنا على السداد؟ والبنك المركزى أعلن مؤخراً أنه سدد 30 مليار دولار فى العام 2017، وكشف عن خطته لسداد 18 مليار دولار أخرى بنهاية العام الحالى، ومع ذلك سجل الاحتياطى النقدى أكثر من 37 مليار دولار»، واستدرك: «صحيح أن هذه الأرقام لم تنعكس إيجابياً على سعر صرف الجنيه، ولكن ذلك سيتحقق مستقبلاً، لأننا ما زلنا فى بداية الإصلاح ولا نملك ما يكفى من موارد العملة الصعبة لمواجهة السوق السوداء التى قد تنشأ فى حال تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار»، ويلفت «الشاذلى» إلى وجود اعتبار سياسى وراء اندفاع الحكومة للاقتراض الخارجى، خلاصته أن القيادة السياسية تشعر أن الوقت مواتٍ لتنفيذ كل الإصلاحات والمشروعات المطلوبة، لأن الشعب سيتحمل التكلفة فى هذه المرحلة التى يقارن فيه المصريون بنوع من الرضا أحوالهم بأحوال باقى دول المنطقة، ويختتم تصريحاته لـ«الوطن» قائلاً: «أعتقد أن مجريات الأمور تثبت صحة توجه الحكومة».

{long_qoute_2}

أما المفكر الاقتصادى، وزير التضامن الاجتماعى الأسبق الدكتور جودة عبدالخالق، فيشعر بقلق من تزايد اعتماد الحكومة على الديون الخارجية، ليس فقط بسبب ارتفاع تكلفتها ولكن بسبب الشروط غير المالية التى تصاحب عادة هذه القروض، ويقول عبدالخالق لـ«الوطن»: «فى الحالة المصرية، أكثر ما يقلقنى هو الشروط غير المالية للقروض الكثيرة التى نحصل عليها، فلكل قرض شروط مالية تتمثل فى مدة القرض وفوائده، إلخ، وشروط غير مالية، وهذه نادراً ما يلتفت إليها، وخطورتها أنها تعيد صياغة الأولويات الوطنية بما يخدم مصالح الخارج وليس مصالحنا.. والأمثلة كثيرة فمثلاً مولت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية(USAID) مشروع إنشاء مصنع أسمنت السويس العملاق فى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لكن كان أحد شروط هذا التمويل هو أن تلتزم الحكومة المصرية، من خلال مكتب مختص وقتها يشرف على توزيع الأسمنت، بتقديم خطة استخدام الأسمنت على مستوى الجمهورية للهيئة الأمريكية للموافقة عليه، ولم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء لإدراك أن هذا يعنى أن الإدارة الأمريكية سوف تحدد أولويات التنمية فى مصر كلها بل وسياسات الأمن القومى، فلا تستطيع مثلاً بناء دفاعات صواريخ أو غيرها فى سيناء دون موافقتها أو على الأقل علمها، ومن الشروط أيضاً بيع جزء من حصة القطاع العام فى هذه الصناعة للقطاع الخاص».

يوضح «عبدالخالق» أن اعتماد الحكومة على الديون جزء من تيار عام يسمى بـ«العولمة المالية»، ولهذه العولمة سمات كثيرة، لكن فى جوهرها هى التداول فى الأنواع المختلفة من القروض، هذه التداولات المالية تفوق حجم الناتج المحلى الإجمالى العالمى عدة مرات، وأصبح التمويل والنشاط المالى داخل الحدود أو خارجها يتغذى على نفسه، فى الماضى كان التمويل مرتبطاً بالإنتاج، أما الآن فقد أصبحت القروض تقوم على القروض فى شكل هرمى عنقودى خبيث أدى إلى انفجار الأزمة المالية العالمية فى 2007، وتستطيع أن تلاحظ التوسع فى الديون من خلال تغير نمط تمويل الشركات.. فقد كان من المعتاد أن تلجأ الشركات العالمية للبورصة لزيادة التمويل أما الآن فإنها تفضل أن تضع أموالها فى البنوك وتقترض أضعافه بضمانه، ما يؤدى لانفصال التمويل عن الإنتاج ونشوء موجات متتالية من الاقتراض، وتابع: «بداية هذه الظاهرة جاءت مع فكر «الليبرالية الجديدة» التى تبناها الرئيس الأمريكى رونالد ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر فى الثمانينات من القرن الماضى، وما نتج عن هذا من إزالة الضوابط على المؤسسات المالية (deregulation)، فأصبحت البنوك حرة فيمن تقرضه وكم تقرضه.. وظهر ما سمى بـ«المشتقات المالية»، التى قال عنها أحد الاقتصاديين إنها «أخطر من القنبلة النووية»، لأنها عبارة عن دين يترتب عليه دين ثان وثالث ورابع وخامس. إلخ، ما يخلق سيولة ضخمة خارج أى سلطة نقدية فى العالم»، ويوضح عبدالخالق: «فى السابق كانت مشكلة الاقتصاد الرأسمالى أن الإنتاج يسبق الاستهلاك فلجأت الدول الرأسمالية الكبرى لإشعال الحروب لخلق طلب على سلعهم، ولكن وفق نظرية هايمن مينسكى المهمة التى تعرف باسم «الهشاشة المالية»، فإن النظام الاقتصادى أصبح لديه نزعة مركزية لخلق عوامل عدم الاستقرار من داخله، خصوصاً بعد أن تحولت القروض لأساس لموجات متتالية من القروض ما يجعل كل هذه العمليات عرضة لما يسمى بـ«تأثير الدومينو»، فإذا انهار قطاع أو مؤسسة كبيرة ينهار كل شىء»، ويؤكد «عبدالخالق» أن الرغبة فى الكسب السريع من جانب البنوك هى السبب الرئيسى فى التوسع الضخم فى نشاط القروض، خصوصاً للقطاعات غير الإنتاجية، حيث تكون دورة رأس المال فى هذا النوع من الأنشطة أسرع مقارنة بمشروعات البنية التحتية والصناعية والزراعية.

وزير التخطيط الأسبق والاقتصادى البارز الدكتور عثمان محمد عثمان، يرى أن ارتفاع الدين عالمياً ليس مشكلة كبيرة ما دام المدين لم يتوقف عن السداد، وما دام الاقتصاد فى حالة رواج، ويدلل على ذلك بأن أكبر مدين فى العالم هو الولايات المتحدة ومع ذلك فإن الدولار هو العملة الرئيسية فى العالم، ويتابع فى تصريحات لـ«الوطن»: الدول تضطر للاستدانة لأن الاقتصاد فى حاجة للموارد الخارجية، والديون مورد خارجى تظهر الحاجة إليه حين تعجز موارد الدولة (الادخار المحلى) عن تمويل استثماراتها، لكن المهم استخدام هذه الديون بكفاءة، ويستدرك: «لدىّ ما يدعونى للقلق فيما يتعلق بحالة مصر، فالديون الخارجية قفزت قفزة كبيرة مؤخراً، فحتى العام 2008 كان ميزان المدفوعات يحقق فائضاً وارتفع الاحتياطى النقدى لـ36 مليار دولار فى العام 2011، والآن يفتخر محافظ البنك المركزى بتجاوز الاحتياطى هذا الرقم، مع العلم أن الرقم ليس هو المهم ولكن عدد الشهور التى يغطيها من الواردات الأساسية. قبل 2011 كان الـ36 مليار دولار تغطى نحو 10 شهور، أما الآن فإن هذا الرقم لا يغطى بالكاد 3 شهور، ثم إن مكونات هذا الاحتياطى مدعاة للقلق، لأن معظمها قروض يجب سدادها فى النهاية، ما يعنى ضرورة أن يكون لديك القدرة على السداد وهذا لن يتحقق إلا بانتعاش الموارد الدولارية، وهذا غير متحقق الآن، ولذلك تعلن الحكومة عن سداد الدين بديون جديدة.

أما الاقتصادى المعروف الدكتور جلال أمين فيرى أن التوسع الحالى فى القروض لتمويل مشروعات البنية التحتية لا يثير القلق وإنما الاعتراض لأنها قليلة الفائدة على المديين القصير والطويل، ويجب أن تكون الأولوية للمشروعات الإنتاجية، مثل استصلاح الأراضى وبناء المصانع والمزارع السمكية وغيرها، وينتقد فى تصريحاته لـ«الوطن»: «عدم وجود تخطيط من جانب الدولة يحدد على أساسه أولوية المشروعات، وبالتالى الاقتراض حتى لا نضطر للتورط فى مشروعات لمجرد توافر ممول خارجى لها دون أن تكون ذات أولوية لنا»، ويؤكد أن معيار الحكم حول ما إذا كانت درجة الاستدانة خطيرة لا يختلف كثيراً فى حالة الدولة عنه فى حالة الفرد، فالعبرة ليست بالضبط بنسبة الاقتراض إلى الدخل وإنما فى الأساس بمدى القدرة على الوفاء بالدين فى فترة زمنية معقولة، وهذه القدرة على الوفاء تتوقف بدورها على استخدامات القروض، أى ما أنفقت فيه، وعلى شروط الاقتراض، وأحالنا «أمين» إلى كتابه «قصة الاقتصاد المصرى من عهد محمد على إلى عهد مبارك» الذى يوضح فيه «أن الذى يتحكم فى درجة اعتمادك على القروض ليس هو فقط مدى حاجتك إلى الاقتراض أو مدى رعونتك أو حكمتك فى إدارة شئونك وإنما أيضاً مدى استعداد غيرك لإقراضك وتلهفه على توريطك فى الديون، وهنا نصادف انطباق القاعدة التى نصادفها كثيراً فى علم الاقتصاد وهى «العرض يخلق الطلب»، تورطك فى الديون لا يتوقف فقط على مدى احتياجك إليها، وإنما يتوقف أيضاً على مدى حاجة غيرك لإقراضك»، ويربط «أمين» بين زيادة الديون فى عهدى سعيد وإسماعيل باشا ثم الرئيس أنور السادات بشكل أساسى بوفورات رأس المال الأجنبى بداية من عصر الثورة الصناعية وصولاً إلى تكدس البنوك الغربية بفوائض النفط فى السبعينات من القرن الماضى، ويربط أيضاً تراجع القروض بالأزمات الدولية فى العالم.

ويقول: «لحسن حظ محمد على أنه كان يعيش فى مصر ولم تكن هناك حاجة للإقراض قد بلغت فى عهد إسماعيل وسعيد»، ويؤكد أن «تورط إسماعيل فى الديون لم يكن مصدره بالضبط ميله إلى البذخ والإنفاق وإنما توافر أموال سائلة فى المصارف الأوروبية كانت تبحث عن فرص للاستثمار المجزى فى الخارج، وأن بذخ إسماعيل وتوسعه فى الإنفاق لم يكن السبب بمقدار ما كان نتيجة لما تعرض له من ضغوط وإغراءات، من جانب السماسرة والمرابين، زينت له مشروعات باهظة التكاليف وقليلة العائد، وفى أعقاب العام 1973 توافرت أيضاً للمصارف الأوروبية والأمريكية كميات طائلة من الأموال السائلة نتيجة لما سمى بإعادة تدوير عوائد النفط، فى أعقاب ارتفاع أسعاره، وكانت هذه المصارف تبحث بدورها عن مجالات لتوظيف هذه الأموال»، ويلاحظ فى كتابه أن الدائنين يسعون لإقراض الدول، على عكس المنطق، فى أوقات الرخاء ثقة منهم فى قدرة الدول المقترضة على السداد ويضيقون عليهم فى أوقات الأزمات «حدث مع الخديو إسماعيل إذ انهال عليه المقرضون عندما كانت أسعار القطن مرتفعة بسبب الحرب الأهلية فى أمريكا وبدأوا يضيقون عليه الخناق عندما زال عهد الرواج، ثم حدث مرة أخرى مع السادات عندما انهال عليه المقرضون الذين أسال لعابهم ارتفاع أسعار النفط وتحويلات المهاجرين المصريين إلى الخارج، ثم ضيقوا الخناق على مبارك عندما انخفضت أسعار النفط وبدأ المهاجرون المصريون يعودون لمصر».


مواضيع متعلقة