مسلسل سابع جار

فى 2005 بدأت أتلقى بلاغات وشكاوى من شابات وسيدات طابعها غريب، لأنها أكثر من معاكسة ولا تصل إلى هتك عرض، لكنها تعبر عن شىء صادم حدث فى المجتمع، تجرؤ على البنات / غياب نخوة لا أعرف، بدأنا نجمع الشكاوى ونحللها لنصل لحقيقة شبح التحرش الجنسى، فى 2007 أعلنا أول دراسة فى مصر حول التحرش وكانت نتائجها صادمة للمجتمع، حيث كانت كل المؤشرات تخالف معتقداتنا الراسخة وتصوراتنا حول قدر التدين فى المجتمع، الذى يمنع بالضرورة الفحش والإيذاء، نوع الجريمة وأماكنها وتوقيتها، إلى آخره من مؤشرات مغايرة تماماً للتصورات النمطية للمجتمع، وكانت ردود الفعل ما بين الإنكار للمشكلة، أو رفض للمنهج العلمى فى البحث وكيل الاتهامات بأن من قدم الدراسة يشوه المجتمع، أو ردود فعل غاضبة تلوم البنات والسيدات أنفسهن، كنا آنذاك متفهمين أن كل ردود الفعل هذه مفهومة فى إطار صدمة المعرفة والاكتشاف لشىء لم نكن نتوقعه، وكنا على ثقة أن بعد انتهاء مرحلة الصدمة سندخل فى مرحلة الإقرار بالمشكلة والنقاش العقلانى لها وهو ما تم بالفعل، لا أعرف لماذا تذكرت كل هذه التفاصيل وأنا أشاهد ردود الفعل حول مسلسل «سابع جار»، التى تباينت بدرجة مبهرة تؤكد براعة وذكاء الكاتبة والمخرجات الثلاث اللاتى قدمن عملاً استطاع تقليب المياه الراكدة اجتماعياً، وفرض بالقوة مساحة لمناقشة قضايا وهموم الشريحة العريضة من الطبقة الوسطى التى تقلصت فى الأعمال الدرامية، فقد استطاعت الكاتبة «هبة يسرى» أن تعكس تفاصيل الحياة اليومية للطبقة الوسطى التى تصارع من أجل حياة كريمة وتواجه تغيرات كبيرة على المستوى الاجتماعى والاقتصادى جعلتها تناضل ما بين ضغوط المصاريف اليومية والدروس لتأمين المستقبل لمن فى سن التعليم ومحاولة إيجاد عمل مناسب لمن تخرج ومعاناة الشباب من الزواج، ليس على المستوى المادى فقط وإنما على المستوى الفكرى أيضاً، وجيل الأمهات والآباء ومعاناة منتصف العمر وما بعد المعاش، والمرأة المعيلة سواء الأرملة أو التى هجرها زوجها، التى ترعى أسرتها بعيداً عن التصور التسولى الذى أُسقط على مصطلح المرأة المعيلة، تناولت الكاتبة قضية الزواج والعلاقات بكل تفاصيل وتصورات البنات وتخوفاتهن لتصدم المجتمع فى أفكاره حول العنوسة، لتقدم بنات لم يعد الزواج أولوية تضحى من أجلها بمستقبلها، قدمت أيضاً نماذج عدة للرجال من مختلف الأعمار، وقدمت جوانب إنسانية بها الضعف والقلق والهموم والبحث عن السعادة والرغبة فى الحياة بطريقة متوازنة، لم تقدم الرجل جانياً أو مجنياً عليه وإنما قدمته إنساناً، شريكاً فى الحياة بحاجة لمن يدعمه بقدر احتياج الآخرين لدعمه، وهو مفهوم مغاير للرجل الذى لا بد أن يحمل من حوله على كتفه دون كلل أو ملل أو شكوى، ولأن الحقيقة ليست كذلك كثيراً ما نسجن الرجال فى تصوراتنا الظالمة والمبالغ فيها حول قدراتهم، كل هذه الشخصيات المغايرة للقوالب النمطية المستقرة فى قاع وعى المجتمع خلقت حالة الصدمة والجدل الواسع، فانقسم الناس ما بين رافض ويرى أن ما يعرض غريب ومدمر للمجتمع، ورأى يرى أنه معبر حقيقى عن الواقع ويدعو الناس لأن تفتح عيونها وعقولها وإعادة النظر فى التصورات النمطية التى عادة ما تقود إلى مشاكل أكبر كثيراً من استيعاب المجتمع، لنهرب إلى تحليلات خاطئة وحلول ساذجة لمشكلات معقدة، لأننا لم نكلف أنفسنا البحث والفهم العميق لما طرأ على المجتمع خاصة الطبقة الوسطى من تغيرات، ليست هبة يسرى البطلة الوحيدة وراء العمل بل قدمت معها المبدعتان «أيتن أمين ونادين خان» ما هو أبعد من عمل درامى وإنما نموذج لعمل جماعى سواء قصدن أم لم يقصدن كسر خرافة أن النساء لا يستطعن العمل معاً، وأثبتن ليس فقط سذاجة هذه المقولة بل استطعن توظيف كم هائل من الممثلين والممثلات من أجيال متعددة ويقدمنهم وكأن المشاهد يراهم جميعاً لأول مرة.