احذروا معاقبة الشعب الفلسطينى

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

قد تبدو الولايات المتحدة فى عزلة نسبية على خلفية قرار الجمعية العامة الرافض أى تغيير فى وضعية مدينة القدس باعتبارها مدينة محتلة تخضع للتفاوض، ولا يجوز تقنين احتلالها كما يفعل قرار الرئيس ترامب، وهى عزلة ذات طابع رمزى، ولم تصل بعد إلى أن تكون عزلة دولية واقعية، أو كما يُقال على الأرض يمكن لمسها وقياس مدى تأثيرها على السلوك الأمريكى تجاه الصراع العربى الإسرائيلى، والواضح أن احتمال تغير سلوك الرئيس الأمريكى تجاه بعض مفردات وعناصر القضية الفلسطينية قائم ومرجح بقوة ولكن ليس فى اتجاه تغيير قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإنما فى اتجاه السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، بغية إما دفعه للتخلى عن المسار الجديد السائر فيه، والداعى إلى رعاية دولية لمفاوضات السلام وليست رعاية حصرية أمريكية كما هو الوضع الراهن، وإما إحداث تغيير فى قمة السلطة والإتيان بمن يمكنه أن يتحمل مخاطرة التعامل بمرونة مع الأفكار الأمريكية المنتظرة لتسوية القضية الفلسطينية.

والواضح أن واشنطن لم تجد بعد من يحول هزيمتها السياسية فى الأمم المتحدة إلى موقف عملى، ففرنسا مثلاً أبلغت الرئيس عباس بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيكون فى حينه، أى ليس الآن، كما أبلغت العاهل الأردنى أن الأصوب انتظار أمريكا بعض الوقت حتى تبلور خطتها المنتظرة للسلام، أما باقى القوى الكبرى فلم تعلن موقفاً جديداً يدعم الرؤية الفلسطينية الجديدة.

ووفقاً لتقرير نشره موقع ديبكا الإسرائيلى القريب من دوائر الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، فهناك ترتيبات أو بالأحرى عقوبات أمريكية تتعلق بمنع الدعم والمساعدات عن السلطة وعن وكالة غوث للاجئين، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، وعدم استقبال أى مسئول فلسطينى رسمياً ووقف أى اتصالات مع رئيس السلطة الفلسطينية، ومنع أى مساعدات من دول أخرى للسلطة الفلسطينية، وهى إجراءات حسب الموقع الإسرائيلى سوف تشارك فيها أطراف إقليمية مؤثرة، وفى النهاية ستكون رئاسة السلطة على المحك إلى أن تتراجع عن مواقفها المعلنة أو أن يتم تغييرها، ومن يعرف العقلية الأمريكية عموماً وعقلية الرئيس ترامب على وجه التخصيص، سوف يتيقن بأن هذه الإجراءات العقابية ليست مستبعدة تماماً بل هناك مؤشرات بأنه بدأ العمل بها فعلاً، وفى الإجمال هى عقوبات شاملة ليس بحق السلطة ورئيسها فقط، وإنما أيضاً بحق الشعب الفلسطينى كله.

وإذا أطلقنا العنان لبعض الخيال، وتصورنا أن هناك من سيقبل أن يكون مُحللاً للضغوط الأمريكية وامتداداتها، وسيقوم بما هو مطلوب منه، فكيف سيرى الفلسطينيون فى الداخل وفى الخارج هذه الشخصية، هل بصفة المخلص من الورطة المتخيلة التى ابتدعها الرئيس عباس، أم بصفة الخائن للقدس، وما أدراك ما القدس؟ وربما يبرر البعض لهذه الشخصية الخفية حتى اللحظة ما ستفعله باعتباره مرغماً وراغباً فى خدمة القضية، لكن المؤكد أن العائد الشخصى والعام سيكون مزيداً من التدهور، وبحساب التاريخ فلن يكون أكثر من والى عكا الذى فتح أبواب المدينة لجيوش الصليبيين، على أمل أن يحصل على جائزة كبرى، فلم ينل سوى الموت والعار معاً.

وربما يأخذنا الخيال إلى ما هو أبعد من ذلك، ونصبح ذات يوم قريب، وفى حال اشتدت الضغوط على السلطة ورئيسها وعلى عموم الشعب الفلسطينى، ونسمع بيان إسقاط السلطة أو سقوطها لا يهم الفرق هنا، ويصبح الفلسطينيون بلا مرجعية سياسية وإدارية لهم فى الأراضى المحتلة أو المسيرة ذاتياً، كما تتحول مؤسساتهم الهشة إلى أثر بعد عين، وقد يكون من الشجاعة قبل أن نسمع هذا البيان الخاص بسقوط السلطة الفلسطينية، أن يتم إعادة إشهار المسئوليات السياسية والتاريخية والنضالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبحيث يصبح الشعب الفلسطينى كله مسئولاً من منظمته الأم ويستعيد النضال بمعناه العام وروحه المسلوبة.

والمؤكد أن هذا التحول لن يكون هيناً على الفلسطينيين وستمر فترة مليئة بالمشكلات الكبرى فى كل المستويات، لكن المؤكد أن نتائجها ستطال أيضاً إسرائيل والولايات المتحدة على السواء، واستمراراً فى الخيال، فلن يكون للعقوبات الأمريكية على السلطة أى معنى، وسيظهر حينها التفكير الاستراتيجى الأمريكى باعتباره تفكيراً ضحلاً بلا قاع، ولن تكون الأفكار الغامضة المتعلقة بصفقة القرن أو خطة للسلام الإقليمى أكثر من «رطرطة» قولية خاوية من أى مضمون، وسيكون البحث عن قائد محلى متعاون وفق المعايير الأمريكية كمن يبحث عن إبرة فى كوم من القش ارتفاعه كناطحة سحاب، وإن وجد فسيكون محل رفض شعبى جارف، أما التيارات التى يقلق الجميع من انتشارها فسيكون الأمر كله هدية كبرى لها وستعود إلى الواجهة بكل قوة.

أما إسرائيل فستجد نفسها فى ورطة كبرى، فكيف ستتعامل مع أربعة ملايين فلسطينى يملأهم الغضب والحنق وليس أمامهم سوى طريق واحد وهو الدفاع عن مصيرهم أياً تكن النتائج، وفى كلمة قاطعة سيكون هناك عدة آلاف من القادة الميدانيين الذين سيولدون من رحم المعاناة والقهر، وسيعيدون كتابة التاريخ بكل ما تعنيه هذه العبارة من معان، حينها سيكون الندم الإسرائيلى أمراً حتمياً، فحلم الدولة اليهودية النقية سيذهب مع الريح، وسياسات العنصرية وتطبيقاتها التى تبرع فيها إسرائيل ستكون أوضح من قرص الشمس فى رابعة النهار، ولن تفلح تبريرات القوى الصهيونية ومراكزها الدعائية المهيمنة فى تمرير نموذج آخر لجنوب أفريقيا زمن عنصريتها المفضوحة.

سوف يصبح العالم وفى قلبه الشرق الأوسط وفى المركز الدول العربية أمام تاريخ جديد يُكتب بحبر الدم، وقد يستفيق العالم من غيبوبته، وسيكون السؤال المطروح بكل أريحية دولة واحدة بلا عنصرية يُعاد ترتيب أوضاعها برعاية دولية حقيقية وليست مزيفة، أم فض اشتباك تاريخى على قاعدة حقوق قومية ومكانية لا يجوز التنازل عنها لشعب حاول كثيرون سرقته ولكنه نجح فى الخروج من أكبر ورطة سعى كثيرون لفرضها رغماً عنه، وليس مستبعداً أن تكون النهاية الثالثة انتصاراً فلسطينياً كاسحاً يعيد كل الأرض والأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية إلى أصحابها الأصليين.

بعض الخيال السابق التمادى فيه مسبقاً ليس مستبعداً، حتى وإن أخذ دورته التاريخية كاملة، ونقطة البداية تستند إلى قاعدة تاريخية وعلمية ثابتة، فحين يزيد الضغط يحدث الانفجار، ويُصاب الجميع فى مقتل، وأعتقد أن أى تورط فى عقاب جماعى للشعب الفلسطينى أياً كان مصدره وأياً كان المُخطط له، لن يكون سوى بداية الضغط، ثم يليه انفجار لن يسيطر عليه أحد.