"عم غزال".. "ناصريٌّ" يخدم في وسط البلد

كتب: مصطفى علي موسى

"عم غزال".. "ناصريٌّ" يخدم في وسط البلد

"عم غزال".. "ناصريٌّ" يخدم في وسط البلد

كنا قد مللنا البحث عن قهوة جديدة في وسط البلد بعد سنوات في "التكعيبة" و"صالح" و"الخُن".. قهوة غير مصابة بالزحام ولا تطالها سمعة سيئة.. قهوة لا تزال "عذراء" بدلا من كل تلك القهاوي التي "تقلبت بين أيدي الرجال" وتلوثت سمعتها بالسياسة..

كنا فقط نريد "قهوة".. ترحب بنا دائمًا مهما صرنا زبائن دائمين.. أخيرًا وجدناها.. في ممر مليء بمحلات قطع غيار السيارات.. الممر يقع بين شارع شامبليون بوسط القاهرة، وشارع عبد الحميد سعيد القريب من شارع طلعت حرب والباب الخلفي لسينما أوديون.. هناك، حيث لا سيارات تمر، وحيث وكالة سيد صادق، والذي كان ملمحًا مهمًا من ملامح الممر لاعتبارات الشهرة الفنية، وجدنا قهوتنا/ مستقرنا القادم.

ولأن لكل قهوة اسمًا فقد بحثنا في المكان الفقير عن اسم له.. لا توجد يافطة.. لا يوجد رئيس لها.. لكن هناك من يحرك الأحداث فيها وله كلمة مسموعة.. إنه هناك ينادونه بـ"عم غزال".. فصارت اسمًا معتمدًا في سجل اللقاءات اليومية..

طلبنا مشروباتنا فجاء الرجل النحيل القصير ذو الطاقية الصوف التي بالكاد تغطي رأسه الضئيل.. بدلة كستور معتبرة.. صاحب صوت نشيط لا يمكن أن تتصور أن يخرج من هذا الجسد المتهالك الذي عاش ما يقرب من 70 سنة قضى غالبيتها في القهاوي خادمًا مخلصًا.. عروق نافرة في كل ركن من وجهه ويديه.. مشيته لا تعرف إلا الرقص كلاعب سيرك.. عرفناه، أو عرفنا القهوة به فيما بعد.

"أنا اتخلقت عشان أقول حاضر ونعم"..

مبدأ "عم غزال" في الخدمة، شعار يستقبل به مطالب زبائنه وسخافاتهم معًا.. خُلق الإنسان للطاعة.. لم يُخلق ليعمّر الأرض كما كنا نظن.. "أنا في القهاوي من 59"، يقصد عام 1957.. "ماكسبتش أي حاجة.. أنا وياسين، صاحب القهوة دي، كنا سوا خطوة بخطوة.. هو بقى صاحب قهوة وانا زي مانتو شايفين.. حكمة ربنا"..

الرابح دائما من يعيش لا من يتملّك..

تحولت القهوة، المعتمِدة في رزقها على العاملين بمحلات الممر والمحلات المجاورة، إلى ملتقى كبير لزبائن ملّوا من قهاويهم، ربما كانوا مثلنا يبحثون عن شيء جديد.. ازدهرت القهوة بفضل هذا الذي لم يعرف الازدهار طريقًا لحياته كما تُبدي ملامحه المهمومة.. يأتي إلى القهوة في السادسة صباحًا ويغادرها مع القفلة في منتصف الليل تقريبًا.. حينها لا بد أن يأخذ في اتجاهنا خطوات ليشعرنا بـ"كم أخرناه عن أهله وبيته".. فنقوم بصنعة لطافة لنحاسب.

معلوماتنا القليلة عن الرجل، الذي أحب عبد الناصر، كانت في تلك الثواني التي يقضيها بيننا بين طلب مشروب وآخر.. لا يسمح لنا أن نحمل كراسينا من مكان لآخر.. أو أن نغير بأنفسنا شكل القعدة.. هو فقط من له هذا الشرف.. شرف خدمتنا.. وويل لمن يتجرأ ويحمل عنه هذا العبء.. من حقه وواجبه هو فقط أن يحمل عنا الهموم ويكون صاحب اللمسة الأخيرة في وضع الصينية والأكواب.. "هو انتو جايين تشيلوا؟"..

في سهرة طالت رغمًا عنا أنا وأحد الملولين في ليل الشتاء الطويل.. تشبّعت روحانا بالشعر والحكايات.. وفجأة ظهر لنا عم غزال ليطالبنا بوضوح تام: "لازم أروّح".. قمنا ونحن في حرج عكر علينا بعضًا من صفونا، حاسبنا وفلتت مني جملة "أحلام سعيدة يا عم غزال"، ليجيء لنا ردُّه: هو أنا أقدر؟!"..

"قدر وعملها عم غزال".. اختفى اختفاءه الأخير، وأعلنت قهوته، التي لا يملكها، الحداد وأظلم الممر، لنودع معه أيامًا وأحداثًا ربما تمثل لذاكرة كثيرين من رواد وسط البلد حياة فوق الحياة..

عاش "عم غزال" رغم رحيله الليلة.. عاش ولا يعلم أن ظل "الناصري" بداخله وداخلنا لا يموت..


مواضيع متعلقة