«دار ندوتنا».. من وحي الذكريات
- أولاد حارتنا
- الأهل والأصدقاء
- الهواء الطلق
- علاء الدين
- يأجوج مأجوج
- أحلامنا
- أرق
- أولاد حارتنا
- الأهل والأصدقاء
- الهواء الطلق
- علاء الدين
- يأجوج مأجوج
- أحلامنا
- أرق
ما تزال رائحتها تُزكم أنفي، جذوع النخيل المصفوفة بعضها فوق بعض، إلى جدار بوابة بيتنا الخلفية، عندها كنا نعقد دار ندوتنا، وعليها يقوم بيت أرقمنا، خيرًا وشرًا وفرحًا وحزنًا، نجتمع كل يوم في العصاري، وأولاد حارتنا رفاق الطفولة، نلعب ونحكي ونحلم ونطلق العنان لخيالنا دون سقف، ونكيد للآخرين من حولنا، ثم نعود نتصالح.. ضحكاتنا صافية لا تشوبها هموم، وكواهلنا عفية لم تُثقلها أية مسؤوليات، وأحلامنا عامرة بالحب والخير والطموح.كانت بوابة بيتنا الخلفية البحرية، تطل على حارة فسيحة، بمثابة النادي الصيفي للجيران بعد العِشاء، لا أحد يمكث في داره، الرجال يخرجون إلى مجالسهم ولترتيب أعمال اليوم الثاني، أو لزيارة الأهل والأصدقاء، فيما تهرب النساء بأطفالهن من 4 حيطان إلى رحابة الهواء الطلق، وكانت عتبة دارنا تستهوي الجميع، الجدات والأمهات والفتيات، يفترشن أسفلها الحصير ويجلسن لتبدأ قزقزة «لب العبّاد»، وحكايات السمر عن كل شيء.على جذوع النخيل الباردة، نتيجة رشها بالماء قبل المغربية، كنًّا نجلس، يحكي لي رفاق طفولتي عن العفاريت التي تسكن «نخل الجارحي»، فلا أحد يستطيع السير في تلك المنطقة في المساء، ويحكون عن حصيلة صيدهم الأسماك في الترعة المجاورة لـ«غيطهم»، والفخاخ التي نصبوها لـ«اليمام»، فيما كنت أقص عليهم حكايات مما درست وقرأت في المكتبة، عن يأجوج مأجوج، وأصحاب السبت، وقصص علاء الدين، وعقلة الأصبع، وأخبرهم آخر نكته، فنضحك عليها حتى نستلقى على «الجذوع»، «مدروخين» بفعل عبق الماء المتدخن من ألياف النخيل في الهواء البِكر.في تلك المرحلة المُبكرة، عرفت كيف تدمع العين عند الضحك، ولم أعرف لذلك معنى أو سببًا.. ضحكنا وضحكنا حتى استنفذنا مخزون العمر من «القهقهة».. كانت أحلامنا بسيطة عامرة بالخير والحب، والأبسط منها إيماننا بسهولة تحققها.في يوم، استيقظت، وجدت أحد جذوع النخيل مسروقًا، حزنت كثيرًا، كمن فقد «كنبة» الصالون الكبيرة، وكما اختفت الجذوع مع الوقت، تسربت من مُقلنا الدموع مع الضحكات، وتفلَّتت معها طفولتنا، فيما بقيت في روائحها العبقة.